تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
ثمّ قد أجيب عنه بوجهين : أوّلهما : انّ العلم تابع للمعلوم ، فلا يكون علّة له ومفيدا لوجوبه . وأورد عليه : بأنّه لا يلزم من كون العلّة تابعا وغير علّة وغير مفيد للوجوب أن لا يكون الحادث واجبا - لجواز استناد وجوبه إلى أمر آخر - ، كيف لا وقد دلّ البيان على وجوبه ؟ ! ، ولا بدّ له من علّة . ونفي العلّة المخصوصة لا يدلّ على نفي العلّة مطلقا . وحاصله : انّ المستدلّ جعل علمه - تعالى - واسطة بالنسبة إلى الوجوب لا واسطة للثبوت ، فنفي كون علمه علّة لا يضرّ المستدلّ ، إذ هو لا يدّعي انّ علة وجوبه علمه / 190
DA
/ - تعالى - ، بل جعل علمه دليلا على وجوبه بمعنى أنّ تعلّق علمه بحدوث الحادث يدلّ على وجوبه وتحقّق علمه لهذا الوجوب من دون تعيين لهذه العلّة ، ولا يلزم من كون الشيء دليلا كونه علّة ، فنفي العلّية المخصوصة لا يضرّ المستدلّ . وبهذا أشار بقوله : « ودلّ البيان على وجوبه » ؛ فلا يتوهّم انّ كلام المورد منع على المنع ، بل مطلوبه انّ منع المجيب غير مضرّ . ثمّ البيان الدالّ على وجوبه هو : انّه لو لم يجب وجود المعلوم على الوجه الواقع في الوجود لزم جهله - تعالى - وانقلاب علمه إلى الجهل ، فيتحقّق بهذا البيان وجوب الحادث - سواء كان علّته العلم أم لا - ، فانتفاء الخاصّ لا يوجب انتفاء العامّ . ويمكن أن يكون البيان الدالّ هو ما تقرّر وبيّن من أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، فالحوادث الموجودة قد صارت واجبة البتّة . وقد أورد على الجواب المذكور أيضا : بأنّ العلم الّذي يكون تابعا للمعلوم هو العلم الانفعالي ، لأنّ العلم الفعلي لمّا كان سببا للمعلوم فيكون المعلوم تابعا له دون العكس ؛ وأمّا العلم الانفعالي لم يكن سببا للمعلوم / 188
MA
/ بل مسبّبا عنه ، فيكون تابعا له . مع أنّه قد تقرّر انّ مناط علم الواجب - سبحانه - بذاته وبجميع الأشياء ليس إلّا ذاته بذاته ، فعلمه فعلي وليس له علم انفعالي ، فالقول بأنّ علمه - تعالى - تابع للمعلوم لا وجه له أصلا ؛ فعلمه بالأشياء ليس إلّا علما فعليا . وعلى هذا فما قيل من أنّ العلم تابع للمعلوم يمكن أن يقال : ليس المراد بالتابعية الانفعال ، بل المراد بها ما ذكره العلّامة الطوسي في