تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
أصلا ، لانّ مناط العلم إذا كان ذاته بذاته بلا مدخلية أمر آخر أصلا فلا يكون اختلاف في انكشاف الأشياء في حالتي الوجود والعدم ، ولا يكون العلم ببعضها متقدّما على العلم ببعض آخر . فالعلم بالعقل الأوّل مثلا ليس مقدّما على العلم بالعقل الثاني ، لانّ جميع كمالاته - تعالى - يجب أن يكون في مرتبة واحدة هي مرتبة الذات ، وإلّا يلزم أن يكون - جلّ وعزّ - فاقدا لبعض الكمالات في مرتبة من المراتب ، وهو محال . نعم ! ، يجوز أن يكون بعض المعلومات مقدّما على بعض آخر باعتبار الوجود لا باعتبار المعلومية ، وإلى هذا أشار بعض الأعلام حيث قال : لمّا كان الواجب - تعالى - علّة لجميع ما عدا ذاته ومفيدا للوجود كله فيكون علّة مقتضية لجميع الموجودات ، ولمّا كان عالما بذاته أتمّ العلوم فيجب أن يعلم انّ ذاته علّة للكلّ ومفيدا لوجود الكلّ بوجود الكلّ وإلّا لم يعلم ذاته أتمّ العلوم ولم يعلم ذاته من جميع الوجوه ؛ ولزم من هذا أن يعلم جميع الموجودات من العلم بذاته . كيف ولو لم يعلم الواجب - تعالى - الأشياء إلى أن يوجد يلزم أن لا يعلم الأشياء من ذاته ، وإذا لم يعلم الأشياء من ذاته علما تامّا غاب عنه بعض وجوه العلم بذاته - وهو انّه من شأنه أن يفيض جميع الأشياء الممكنة - . وممّا يؤيّد انّ حضور ذاته - تعالى - عند ذاته هو بعينه حضور الأشياء بل أقوى من حضور الأشياء هو أنّ نسبة الأشياء إلى جنابه كنسبة الظلّ إلى ذي الظلّ ، وهكذا الحال في سائر صفاته الكمالية ؛ فالواجب بمنزلة الأصل والأشياء بمنزلة العكس ، ولا ريب في أنّ الأصل أتمّ في شبهة العكس من العكس نفسه في ذلك ، كما يظهر من نسبة الأمر الخارجي إلى ما في المرات منه . وإذا حصل العلم من العكس بشبيه يحصل / 161
MA
/ من الأصل بطريق أولى ؛ انتهى . وأنت خبير بأنّ قوله : « نسبة الأشياء إلى جنابه كنسبة الظلّ - . . إلى اخر كلامه - » خارج عن القواعد العقلية ولا يطابق طريقة البحث والنظر ، وليس لنا في اثبات المطلوب حاجة إليه ولا لنا طريق إلى ادراكه ، إلّا أن يحمل كلامه على ما يرجع إلى ما ذكرناه من أنّ مراده من كون الأشياء أظلالا وعكوسا : انّها من لوازمه / 160
DA
/ - تعالى - المترشّحة عنه الفائضة منه . وقد ظهر ممّا ذكرناه انّ مناط علمه بذاته هو حضور