البارئية ، كيف ولا تغيّبه « مذ » ولا تدنيه « قد » ولا تحجبه « لعلّ » ولا توقّته « متى » ولا تشمله « حين » ولا تقاربه « مع » « 1 » .
منها - وهو الّذي ذكرنا آنفا انّه المختار الأصوب من سابقه - ، وتقريره : انّه قد ظهر ممّا سبق / 159
DB
/ انّ الواجب - سبحانه - بمنزلة مجمل الأشياء بمعنى انّه لمّا كان علّة للكلّ ومقتضيا تامّا له وكان الأشياء بأسرها لوازم ذاته ورشحات وجوده فكان الجميع منطو فيه ، وإذا كان الأشياء بجميعها مندمجة منطوية في ذاته بالمعنى المذكور فيكون هو بمنزلة مجمل الأشياء ، وحينئذ إذا علم ذاته علم الأشياء جميعا لا اجمالا - كما هو مذهب القائلين بالعلم الاجمالي - ، بل تفصيلا - أي : بعلمها بخصوصياتها اللازمة والعارضة واحكامها الكلّية والجزئية - ، وتكون عنده ممتازة بجميع تعيّناتها وخصوصياتها واحكامها ، فانّ كون الكلّ لوازم وجوده ورشحات فيضه وجوده يصلح أن يكون مصحّحا لانكشافه لديه وظهوره بين يديه ، فانّ ذلك كما يصلح أن يكون مصحّحا للانكشاف الاجمالي يصلح أن يكون مصحّحا للانكشاف التفصيلي من دون تفاوت أصلا ، فأيّ حاجة مع ذلك إلى القول بالعلم الاجمالي مع استلزامه للمفاسد الكثيرة المتقدّمة ؟ ! ؛ وكيف لا يصلح معلولية الكلّ وانطوائه في ذاته - سبحانه - مصحّحا للعلم به تفصيلا مع أنّ حضور العلّة أقوى في باب الانكشاف من حضور المعلوم ؟ ؛
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
« 2 » .
فحضور الواجب - جلّ وعزّ - عند ذاته أقوى في انكشاف الأشياء عنده من حضور الأشياء عنده . فالعلم الحضوري هو حضور عين المعلوم عند العالم أو حضور ما هو أقوى من حضور المعلوم ، والعلم الحضوري بالنسبة إلى الواجب - تعالى - انّما هو بالاعتبار الثاني - أي : حضور ما هو أقوى من حضور المعلوم ، أعني : حضور ذاته المقدّسة - ؛ فمناط العلم بجميع الأشياء ليس سوى ذاته المقدّسة البسيطة من جميع الجهات . فذاته - تعالى - صورة علمية بجميع المجعولات ولجميعها شهود علمي ووجود جمعي وجداني عقلي في ذاته - سبحانه - ، وحضور ذاته بذاته عند ذاته هو حضور جميع الأشياء ؛ فالكلّ يصدر عنه منكشفا عنده . وعلمه بالأشياء بعد كونها ، كعلمه بها قبل كونها ولا تفاوت في ذلك
هامش
( 1 ) راجع : نفس المصدر ، ص 38 .
( 2 ) كريمة 14 ، الملك .