تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
فالحقّ الصريح انّ جميع الأشياء المبدعة والكائنة المعقولة والمحسوسة - سواء كانت ذوات العقلاء أو علومهم وسواء كانت قوى خيالية أو حسية أو ادراكاتها - معلومة له بالعلم الحضوري الجزئي ومنكشفة عنده بالشهود العيني ، لاستلزام صدورها عنه لذلك ، فلا يعزب عنه شيء من الأشياء لا باعتبار الشهود العيني ولا باعتبار الثبوت الذهني . فقوله - سبحانه - : لا يغرب عنه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض إشارة إلى الاعتبار الأوّل ؛ وقوله : ولا أصغر من ذلك ولا أكبر الّا في كتاب مبين إشارة إلى الاعتبار الثاني . فان قيل : يلزم على ما ذكرت من علمه - تعالى - بالجزئيات على الوجه الجزئي أن يكون للواجب علم لا يتغيّر - وهو علمه بالأشياء المتقدّمة على الزمان والدهر - ؛ وعلم متغير - وهو علمه بالأمور الكائنة الفاسدة ، لأنّ الجزئيات الكائنة الفاسدة متغيرة ، فإذا علمها على الوجه الجزئي يجب أن يعلمها في كلّ وقت على ما هي عليه من التغيّر - ، والتغيّر في علمه - تعالى - مطلقا باطل ؛ قلنا : هذه الأشياء وإن كانت في ذواتها وبقياس بعضها إلى بعض متغيّرة لكنّها بالنسبة إلى الواجب في درجة واحدة في الحضور . وبعضهم التزم لزوم التغيّر في حضور الأشياء الكائنة الفاسدة وشهودها عند الواجب ، إلّا انّه قال : انّ هذا التغيّر لا يوجب تغيرا في الذات ولا في العلم الكمالي الذاتي ، بل التغيّر إنّما هو في النسب والأوصاف الاعتبارية . / 140
DB
/ ومثل ذلك مثل من اطّلع على ما في كتاب دفعة ثمّ التفت إلى صفحة بعد صفحة ، فانّ العلم بما في الكتاب لا يتغيّر بحدوث تلك الالتفات . وسيجيء لذلك زيادة بيان في موضعه . ومنها : انّه لو كان علمه بالأشياء بالصور فتلك الصور إمّا أن تكون مكمّلة لذاته - تعالى - بحيث يكون ذاته - تعالى - بدونها ناقصة ويتوقّف ما هو كماله - المطلق أعني : علمه بالأشياء - عليها ؛ أو لا يكون كذلك ، بل يكون تلك الصور بعد تمامية ذاته المقدّسة عارضة لها وخارجة عنها على وجه اللزوم بأن يكون من مقتضيات ذاته التامّة من جميع الوجوه الكاملة في كلّ صفة وكمال . فعلى الأوّل يلزم احتياجه في علمه - الّذي هو الكمال المطلق - إلى الغير - أعني : تلك الصور السابقة على الأشياء ، الّتي تسمّى بالعناية