تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
كونها موجودة في الخارج وصادرة عنه - تعالى - ليس إلّا بحضور نفس وجوداتها الخارجية لا بحصول ماهيتها وارتسام صورها في ذات العالم بحكم المقدّمة الأولى ؛ فعلمه - تعالى - بجميع الأشياء لا يمكن أن يكون بحصول صور مطابقة لها في ذات العالم ، بل يجب أن يكون بحضورها بأنفسها عنده وانكشافها بذواتها ووجوداتها لديه ، ويلزم منه أن يكون علمه بجميع الأشياء على الوجه الجزئي . ومنها : انّه لو كان علمه - تعالى - بالأشياء بالصور القائمة بذاته لزم أن لا يعلم الجزئيات بجزئيتها - لا الابداعيات ولا الكائنات الفاسدات - ، وأن لا يعلم شيئا منها إلّا بصورها الذهنية ، ولا ينكشف ذواتها عنده باعتبار وجوداتها العينية . وذلك لانّ كلّ صورة عقلية ولو تخصّصت بألف تخصيص لا يمنع لذاتها المشتركة فيها ، وقد تقدّم انّ العلم الحصولي لا يكون إلّا كلّيا وانّ مناط العلم على الوجه الجزئي إمّا الاحساس أو العلم الحضوري ، والعلم الحصولي لا يكون إلّا كلّيا . والسرّ ما أشير إليه من أنّ الصورة العقلية للشيء الحاصلة من أسبابه لا تكون إلّا كلّية فلا يمكن ارتسام صورة الجزئي من حيث انّه جزئي في ذات المجرّد . على أنّ الجزئي لو كان مادّيا لم ينفكّ صورته عن اللواحق المادّية - من الوضع والكمّ وغيرهما - ؛ والمجرّد لا يكون محلّا لها . ولا ريب في أنّ القول بعدم علمه بالأشياء الجزئية على الوجه الجزئي وعدم انكشاف الأشياء باعتبار وجودها العيني عنده وانحصار علمه بها بالعلم بصورها الذهنية ونفي الشهود العيني عنه - سبحانه - ، في غاية الضعف والسخافة ! . كيف وجميع الموجودات الكلّية والجزئية فائضة عنه - تعالى - ؟ ! ، وهو مبدأ لكلّ وجود - عقليا كان أو حسيا ، ذهنيا كان أو عينيا - ؟ ! ، وفيضانها عنه لا ينفكّ عن انكشافها عنده وظهورها لديه - كما عرفت فيما سبق - . ومن قال : إنّ الواجب لا يعلم الجزئيات إلّا على وجه كلّى فقد أخطأ وبعد عن الحقّ . بل بعضهم - كالغزالى وغيره - حكم بكفر القائل بذلك ، وبعضهم لم يكفّره نظرا إلى انّه ما نفى عنه - تعالى - العلم بشيء من الأشياء ، بل إنّما نفى عنه نحوا من انحاء العلم الّذي هو العلم الحضوري ، وهذا ليس من ضروريات الدين . ويأتي تحقيق ذلك إن شاء اللّه - تعالى - .