كونه في مكان ، وهو الذي فيه خلق لا تغيّر ؛ لذلك كان معنى التغيّر في الفعل أشد ، واللّه الموفق .
ثم العجب في قوله : هو في كل مكان بمعنى العالم ، والعالم اسم ذاته ، وهو بذاته عنده ليس في مكان ، ولا تحقّق للّه علما ليبلغ المكان الذي قال : هو فيه .
تأملوا لتفهموا تناقضه في القول .
ثم زعم أنه يحفظه مرة ، ومرة أنه يفعله ، وحفظه وفعله في الأمكنة ليس غير الأمكنة ، فصار حاصل قوله : اللّه في كل مكان في الأمكنة ، وذلك خلف من القول ، بل هو عالم بالأمكنة كلها قبل كونها وبعد كونها ، واللّه الموفق .
[ توجيه رفع الأيدي إلى السماء ]
قال الفقيه أبو منصور رحمه اللّه : وأما رفع الأيدي إلى السماء فعلى العبادة ، وللّه أن يتعبّد عباده بما شاء ، ويوجههم إلى حيث شاء ، وإن ظنّ من يظنّ أنّ رفع الأبصار إلى السماء لأنّ اللّه من ذلك الوجه إنما هو كظن من يزعم أنه إلى جهة أسفل الأرض ؛ بما يضع عليها وجهه متوجها في الصلاة ونحوها ، وكظن من يزعم أنه في شرق الأرض وغربها بما يتوجه إلى ذلك في الصلاة ، أو نحو مكة لخروجه إلى الحج ، وفي المشاعر بالسعي فيها ضالة أو ناحية العدوّ ويقصدون قصد من يغلب على شيء يستنفد منه ، جلّ اللّه عن ذلك . ثم اللّه سبحانه إذ ليس وجه أقرب إليه من وجه ، ولا أحقّ أن يعلمه من وجه ، ولا في وسع الخلق وجه الوصول إليه من وجه دون وجه ، ولا طمع العقول بما هو عالم بذاته غنيّ عن عبادة خلقه ، فعبدهم لأنفسهم أن يقوموا بشكر نعمه ، له المحنة كيف شاء ، لا يسبق إلى وهم أحد الوصول إليه في جهة دون جهة ، إلا من يعرف اللّه حق المعرفة .
وقد بيّنا فيما تقدم وصف قربه ، وذلك بالإجابة كقوله تعالى :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
[ البقرة : 186 ] ، وبالنّصر والمعونة كقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
[ النحل : 128 ] ، وبالتقرّب إلى المنزلة والمحل كقوله تعالى :
وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ
[ العلق : 19 ] ، وما روي : أنّ من تقرّب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا « 1 » ، إلى آخر ذلك ، وقوله :
وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
[ المائدة : 35 ] ، وفي الكلاءة والحفظ كقوله :
وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ
[ سبإ : 21 ] ،
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ
هامش
( 1 ) انظر نصه في صحيح البخاري ، باب ما يذكر في الذات والنعوت . . ، حديث رقم ( 6970 ) [ 6 / 2694 ] وفي صحيح مسلم ، كتاب الذكر والدعاء . . ، حديث رقم ( 2675 ) [ 2061 ] والحديث رواه غير البخاري ومسلم .