عن ذلك ، ولا يوبخهم في ذلك ، بل يلين القول في ذلك ، ويرى أن ذلك ليس ببديع ، واللّه الموفق .
وأيضا أن اللّه تعالى وعد أن يجزي أحسن مما عملوا به في الدنيا ، ولا شيء أحسن من التوحيد وأرفع قدرا من الإيمان به ؛ إذ هو المستحسن بالعقول ، والثواب الموعود من جوهر الجنة حسنه حسن الطبع ، وذلك دون حسن العقل ؛ إذ لا يجوز أن يكون شيء حسنا في العقول لا يستحسنه ذو عقل ، وجائز ما استحسنه الطبع أن يكون طبع لا يتلذّذ به كطبع الملائكة ، ومثله في العقوبة ؛ لذلك لزم القول بالرؤية لتكون كرامة تبلغ في الجلالة ما أكرموا به ، وهو أن يصير لهم المعبود بالغيب شهودا كما صار المطلوب من الثواب حضورا ، ولا قوة إلّا باللّه .
وأيضا أن كلا يجمع على العلم باللّه في الآخرة ، العلم الذي لا يعتريه الوسواس ، وذلك علم العيان لا علم الاستدلال ، وكثرة الآيات لا تحقق علم الحق الذي لا يعتري ذلك ، دليله قوله :
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ
[ الأنعام : 111 ] ، وما ذكر من استعانة الكفرة بالتكذيب في الآخرة وإنكار الرسل وقولهم : لم نمكث إلا ساعة من النهار وغير ذلك .
وبعد ، فإنه إذ لا يجوز أن يصير علم العيان نحو علم الاستدلال لم يجز أن يصير علم الاستدلال نحو علم العيان ، فثبت أن الرؤية توجب ذلك .
وبعد ، فإن في ذلك العلم يستوي الكافر والمؤمن ، والبشارة بالرؤية خصّ بها المؤمن ، ولا قوة إلّا باللّه .
قال الفقيه أبو منصور رحمه اللّه : ولا نقول بالإدراك لقوله :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
[ الأنعام : 103 ] ، فقد امتدح به بنفي الإدراك لا بنفي الرؤية ، وهو كقوله :
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
[ طه : 110 ] ، كان في ذلك إيجاب العلم ونفي الإحاطة ، فمثله في حق الإدراك ، وباللّه التوفيق .
وأيضا إن الإدراك إنما هو الإحاطة بالمحدود ، واللّه يتعالى عن وصف الحد ؛ إذ هو نهاية وتقصير عما هو أعلى منه ، على أنه واحدي الذات ، والحد وصف المتصل الأجزاء حتى ينقضي ، مع إحالة القول بالحد . أو كان ولا ما يحدّ أو به يحدّ ، فهو على ذلك لا يتغير . على أن لكل شيء حدا يدرك بسبيله نحو الطعم واللون والذوق والرائحة وغير ذلك من حدود خاصية الأشياء ، جعل اللّه لكل شيء من ذلك وجها يدرك به ويحاط به ، حتى العقول والأعراض ، فأخبر اللّه أنه ليس بذي حدود وجهات هي طرف إدراكه بالأسباب الموضوعة لتلك الجهات ، وعلى ذلك القول بالرؤية والعلم جميعا ، ولا قوة إلّا باللّه .
وبعد ، فإن القول بالرؤية يقع على وجوه ، لا يعلم حقيقة كل وجه من ذلك إلا