أنه بكل ما سمّي به ووصف كان ذلك له بذاته لا بشيء من خلقه ، وكذلك عزّه وشرفه ومجده ، جلّ ثناؤه عن الأشباه ، ولا إله غيره .
وقال بعضهم : يريد بالعرش الملك ؛ إذ هو اسم ما ارتفع من الأشياء وعلا حتى سمي به السطوح ورؤوس الأشجار . والاستواء قيل فيه بأوجه ثلاثة : أحدها الاستيلاء ، كما يقال : استوى فلان على كورة كذا بمعنى استولى عليها ، والثاني العلوّ والارتفاع كقوله :
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ
[ المؤمنون : 28 ] ، والثالث التمام كقوله تعالى :
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى
[ القصص : 14 ] ، وقد قيل بالقصد ، إلى ذلك وجّه بعض أهل الأدب قوله :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
[ فصلت : 11 ] بمعنى خلق على التمثيل بفعل الخلق فيما يتلو فعلهم أن يكون بالقصد ، وإن كان لا يقال : له قصد ، ولا قوة إلّا باللّه .
قال الشاعر : ظننت أن عرشك لا يزول ولا يغير .
وقال آخر :
إذا ما بنو مروان ثلّت عروشهم * وأودوا كما أودت اياد وحمير
وقال النابغة :
عروش تفانوا بعد عزّ وأنّهم * هووا بعد ما نالوا السلامة والغنى
وقال آخر :
بعد ابن جفنة وابن ماثل عرشه * والحاربين تؤمّلون فلاحا
قال أبو منصور رحمه اللّه : ثم الوجه في ذلك لو كان على الاستيلاء ، والعرش الملك ، إنه مستول على جميع خلقه ، وعلى هذا التأويل المحمول غير هذا ، يدل على الأمرين قوله تعالى :
وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
[ التوبة : 129 ] بمعنى الملك العظيم ، وفيه إثبات عروش غيره ، فذلك يحتمل ما يحمل ويحفّ به الملائكة ، واللّه الموفق .
وأما على التّمام والعلوّ فهو أن اللّه تعالى قال :
قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
[ فصلت : 9 ] إلى قوله :
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ
[ فصلت : 12 ] فأخبر بخلق ما ذكر في ستة أيام على التفاريق ، ثم أجملها في موضع فقال :
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
[ يونس : 3 ] بمعنى خلق الممتحن من خلق الأرض والسماوات فبهم ظهر تمام الملك وعلا وارتفع ، إذ هم المقصودون من خلق ما بيّنا ، فبذلك تمّ معنى الملك وعلا إذا وصل إلى الذين لهم .
وقد قيل ذا في خلق البشر خاصة بقوله :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ
[ البقرة : 29 ] ، وقوله :
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
[ إبراهيم : 33 ] ، وقوله :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
[ الجاثية : 13 ] . وذكر ابن عباس رضي اللّه عنه