تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
علته لم يكن تعجب قطع معذرته ، قال اللّه تعالى :
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ
[ طه : 134 ] ، قال :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ
[ فاطر : 42 ] . فهذه الخمسة مما حاجّهم به في أحوالهم . ثم ما حاجّهم بما في أحوال النبي ، منها أنه نشأ في قوم لم يكن لهم كتب ولا دراسة ، مع ما لم يفارق قومه ، وما كان لهم كتب قد سبق له الارتياض في دراستها . ثم كان في ضمن تلك : لو طرأ عليهم طارئ لا يجهل مكانه ، وذلك قوله :
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ
[ المؤمنون : 69 ] ، وقوله :
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها
[ هود : 49 ] . وقد نشأ أمّيا ، والأمي لا يأخذ عن الكتب ولا يستطيع التحفظ من الأفواه غاية الحفظ ، إنما يكون ضبطه بصور معقولة روحانية يرتفع بها عن الوهم ، دليله ما لا يوجد عن مثله رواية الأشعار مخافة الغلط وغيرها ، ولذلك اشتد تعجبهم من حفظ القرآن ، وقال اللّه تعالى :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
[ الأعلى : 6 ] ، وقال :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
[ القيامة : 16 ] ؛ ولذلك قال الموصوف بالحفظ إنه لأشد تعصبا من قلوب الرجال من النعم من عقلها ، قال اللّه تعالى :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ
[ العنكبوت : 48 ] . وأيضا أنه لم يذكر عنه في سالف عمره التشاغل بنظم الكلام وتعاطي ضروبه ، ثم يمتنع عن مثله أن يتهيأ له ما يعجز عنه المعروفين بارتياضه ، دليله أنه لم يطعن بشيء من ذلك بل لما قيل بقوله قال لهم :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ
[ يونس : 38 ] سكتوا ولم يدّعوا عليه إظهاره فيه ، قال اللّه تعالى :
قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ
[ يونس : 16 ] . وأيضا أن اللّه تعالى أمرهم بتأمل أحواله ، هل يجدون ما يعذرهم في ترك الاكتراث إليه ، فلم يجدوا ، قال اللّه تعالى :
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ
[ سبأ : 46 ] . وأيضا مما دعاهم إلى النظر في أموره أن هل يجدون فيه ما وجدوا في المتّسمين بصنعة الكلام من التصدي للملوك لنيل الدنيا ، بل عرضت عليه المطامع من الثروة والرئاسة ليرجع عن دينه مما لديه يعز البشر ، فلم يجب إلى ذلك ليعلم بالطبيعة المستمرة على ما فيه مخالفة الهوى وكفّ النفس عن الملاذّ ، إنه على ما راضه اللّه وأكرمه لدار كرامته ، دون الميل إلى شيء من حطام الدنيا ، وقال :
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ
[ ص : 86 ] . وأيضا ما حاجّهم بالدعاء إلى النظر في الأديان ليعلموا تمسكه بأحسن ما في العقول مما فيه لزوم اختيار مثله فقال :
قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ
[ الزخرف : 24 ] ، وقال :
تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ
[ آل عمران : 64 ] . وأيضا أنه تحداهم بالعجز عما أتى به من القرآن ليكون حجة له عند امتناعه