[ أدلة ثبوت نبوة الأنبياء ] [ وبخاصة رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ]
ثم القول في نبوة الأنبياء وبخاصة في رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ثبت بالجوهر ثم بآيات حسية وعقلية ، ثم بموافقة ظهور الأحوال التي هي أحوال الحاجة إليه .
فأما أمر الجوهر فقد بيّنا ابتداءه ، مع ما ذكر فيه أنه نظر إلى وجهه وإلى البدر فكان هو أحسن منه ، وأنه كان أطيب ريحا من المسك ، وألين من الحرير ، وكان يؤخذ بعرقه فينقع به في الطيب ، وقد وصفت خلقته بما لا يعرف أحد يوصف بمثله حسنا وجمالا ، وجل العين تراها تهيج في الحيرة بذي آفات في الخلقة ، فدل براءته عن كل الآفات ، وزيّنه بكل زين ، على استجابة أعلى الدرجات في الخلق وأفضل الأقدار ، ويدل على ذلك أنه لم يؤخذ عليه كذب قط ، ولا عرفت منه هفوة ، ولا منه عن أعدائه فرار ، ولا في أخلاقه سوء ، بل كان على ما وصف ، لا يداري ولا يماري ولا يعرف فحش ولا ينتصر لنفسه ، وكان في الإشفاق بالمحل الذي عوتب عليه بقوله :
فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ
[ فاطر : 8 ] ، وقوله :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ
[ الشعراء : 3 ] ، وفي التحزّن بما فيه هلاك الخلق ، كما وصفه اللّه وعصمه بقوله :
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
[ النحل : 127 ] ، وقال :
عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ
[ التوبة :
128 ] ، وكان بالكرم بحيث عوتب به ، فقال :
وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
[ الإسراء :
29 ] ، وقيل : لم يكن يدخر شيئا لغد . وقد عرض عليه أعلا ما يرغب فيه من متاع الدنيا والرئاسة بأن يداهن قليلا فما أجاب فيه ، بل عادى للّه الأقوياء والملوك والسادات حتى أكرمه اللّه بالرّعب في قلوب الخلق ، فلم يكن يقصد إليهم في الحرب إلا خافوه .
وقيل : واللّه يعصمك من الناس فلم يخفهم بعد ذلك ، ولا أذكر أنه ولا هم ذلك ، على ما أصاب أتباعه النكبات والشدائد ، ووعد أن يبلغ ملك أمته ما دوي له من الأرض من المشارق والمغارب ، وما روى ما ذكر من أنواع الفزع في قلوب أعدائه ، والحفظ عنه عما راموا به ، على موالاة أقربائه الأبعدين في ذلك ، وما اجتمعت آرائهم على إطفاء نوره وطمس أثره ، فما ازداد إلا ظهورا ، ولا قوة إلّا باللّه .
ثم الآيات الحسية انشقاق القمر واجتذاب الشجر وتسليم الحجر عليه ، ظاهر ذلك ، كله عرفوه ، ثم شربهم من الماء القليل الكثير من البشر ، ثم ابتلاء أعدائه بدعائه بالجدب والقحط ، ثم استغاثوا به فأغيثوا ، ثم الإشباع باليسير من الطعام الكثير من