الخلق ، ثم أمر بيت المقدس ، ثم أمر مرور من طلبوه بالغار فأعمى اللّه بصرهم ، وحنين الخشب ، وشكاية الناقة ، وشهادة الشاة المصلية ، ثم ما ساح بفرس من اتبعه الأرض ، ثم ما أخبر من قوله ولا يتمنونه وكان كذلك ، ثم بما قال : ادعوا شركاءكم ثم كيدوني ولا تنظرون ما قدروا عليه ، ثم بكثرة ما يمكرونه حتى خلصه اللّه من ذلك ، ولعظيم ما يضمر أهل النفاق في أنفسهم ، فأطلعه اللّه حتى كانوا مع شدة تعنتهم يحذرون نزول سورة تنبئهم بما كان منهم ، وأظهرهم على ما قالوا فيه وفي متبعيه ، وما قال في أبي بكر وأصحابه من قوله :
أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
[ آل عمران : 144 ] ، وكذلك في قوله :
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ
[ البقرة : 217 ] ، وما أعلم عليا أنه يقتل الناكبين المشارفين ، وكان كذلك ، وما قال لعمار تقتلك الفئة الباغية ، وما وعد من الفتوح وسعة الدنيا على المؤمنين ، وغير ذلك مما يكثر ذكره ، لو استقصى فيه دواة نجباء أمته ، ثم عامة ذلك مما كان ظاهرا عند أعدائه ، مع ما كان في الكتب المنزلة بعثه ، وعلى ألسن الرسل جرت البشارة وأخذ العهد عليهم ، ولا قوة إلّا باللّه .
وأما العقلية فما بيّن اللّه من شأن القرآن الذي إنما يعرف خروجه عن احتمال وسع الخلق من بالغ في فنون الآداب وعرف جواهر الكلام وأصنافه ، ثم ما فيه من المحاجّة في توحيد الرب وأدلة البعث مما لم يكن يومئذ على وجه الأرض من يدّعي ذلك ، ثم ما فيه من الأنباء وما يكون أبدا ومن بيان النوازل التي تكون ، مما في استعمال العقول تطّلع عليه .
وذكر أبو زيد أن الحسية من الآلات فما جاءت من الآثار كافية .
وأما العقلية فهي على وجوه : أحدها أن أمره لم يكن مستغربا ، بل كان مستمرا على العادة بوجود مثله في الأمم ، فلذلك يبطل وجه الرد عليه في أول وهلة . قال اللّه تعالى :
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
[ فاطر : 24 ] ، وقال :
ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا
[ المؤمنون :
44 ] .
والثاني موافقة مجيئه وقت الحاجة إليه ؛ إذ كان زمان فترة ودروس العلم ، مع جري عادة اللّه بمعاقبة أسباب الهداية عند زوال أهله عن نهج الهدى . قال اللّه تعالى :
قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ
[ المائدة : 15 ] .
والثالث كون المبعوث فيهم بموضع الحاجة إليه لخلاء جنسه عن أسباب العلم بقوله :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ
[ الجمعة : 2 ] وغيره .
والرابع كونه في أظهر الأماكن للخلق ؛ إذ هو معالم أهل الآفاق في الدنيا ، وقال اللّه تعالى :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
[ الشورى : 7 ] .
والخامس يمني القوم ذلك وإظهار الرغبة في ذلك ، وإذا اقترح مقترح على ربه إزالة