فأما تفسير قوله جل اسمه لموسى عليه السلام
( لَنْ تَرانِي )
، قال موسى لما سمع كلام ربه بأرض القدس اشتاق إلى رؤيته فقال :
( رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ )
فقال الله عز وجل :
( لن تراني عنى في الدنيا ، فأما في الجنة فإن موسى وغيره يرونه في الجنة معاينة .
وأما تفسيره قوله لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم :
( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى )
فقال : رآه في الجنة ليلة أسرى به ، تصديق ذلك قوله :
( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى )
[ 114 ] فذلك قوله :
( ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى )
[ 115 ] يقول ما مال بصر محمد عن رؤية ربه حين رآه نظر إليه في جنة المأوى وما ظلم كما قال موسى :
( تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ )
[ 116 ] فقد كان إبراهيم ، ونوح ، وآدم صلى الله عليه وسلم وغيرهم مؤمنين قبل موسى عليه السلام . ولكن قول موسى
( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ )
يعنى أنا أول المصدقين بأنك لن ترى في الدنيا ، وكما قال في سحرة فرعون :
( أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ )
[ 117 ] يعنى أول المصدّقين من أهل مصر من بني إسرائيل بما جاء به موسى عليه السلام من التوحيد ، وكما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم :
( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ )
[ 118 ] يعنى من أهل مكة خاصة وقد كان قبله مسلمون في الأمم الخالية فهذا تفسيرهما في المواطن .
وأما قوله جل ثناؤه :
( وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ )
[ 119 ] وقال في آية أخرى :
( وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا )
[ 120 ] فكان هذا عند من يجهل التفسير ينقض بعضه بعضا وليس بمنتقض ، ولكنهما في تفسير الخواص في المواطن المختلفة .
فأما تفسير
( وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ )
كما كلم موسى عليه السلام تكليما من وراء حجاب ، وأما في الآخرة فإنه يقف البار والفاجر على ربه يكلمونه بغير حجاب وذلك يوم القيامة كما قال عز وجل في كتابه ، يكلمهم ويسأل عن أعمالهم عند الحساب ، فذلك قوله جل ذكره :
( فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ )
[ 121 ] ، فإذا صاروا إلى الجنة أهل الجنة ، وأهل النار فإنه يكلم أهل