تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
ومنها : يوم الواقعة ؛ وأصل وقع في كلام العرب : كان ووجد ، وجاءت الشريعة في تأكيد ذلك بثبوت ما وجد ، قال اللّه تعالى :
وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ
[ النمل : 82 ] والمراد بالقول هنا : إخبار الباري عن الساعة ، وأنها قريبة ، ومن أعظم علاماتها الدابة ، وسيأتي ذكرها ، وما للعلماء فيها من الأشراط - إن شاء اللّه تعالى - وقوله : كاذبة « 1 » ؛ مصدر كالباقية والعاقبة ، أي : ليس لوقعتها مقالة كاذبة . ومنها : الخافضة الرافعة ؛ أي : ترفع قوما في الجنة ، وتخفض أخرى في النار ، والخفض والرفع يستعملان عند العرب في المكان والمكانة والعزة والإهانة ، ونسب سبحانه الخفض والرفع للقيامة توسعا ومجازا على عادة العرب في إضافتها الفعل إلى المحل والزمان وغيرهما ، مما لم يمكن منه الفعل ، يقولون : ليل قائم ونهار صائم ، وفي التنزيل :
بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
[ سبأ : 33 ] والخافض والرافع على الحقيقة إنما هو اللّه تعالى وحده ، فرفع أولياءه في أعلى الدرجات ، وجعل أعداءه في أسفل الدركات ، قال اللّه تعالى :
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً
[ مريم : 85 ، 86 ] . وقال صلى اللّه عليه وسلم في حديث جابر رضي اللّه عنه : « نحن يوم القيامة على كوم فوق الناس » « 2 » . قال ابن العربي : « وهذا حديث فيه تخليط في كتاب مسلم لم يتقنه راويه . ومعناه : أن جميع الخلق على بسيط من الأرض سواء إلا محمدا صلى اللّه عليه وسلم وأمته ، فإنهم يرفعون جميعهم على شبه من الكوم ويخفض الناس عنهم » ، وفي رواية : « أكون أنا وأمتي يوم القيامة على تل فيكسوني ربي حلّة خضراء ، ثم يؤذن لي ، فذلك المقام المحمود » « 3 » . قلت : وهذا الرفع في المكان بحسب الزيادة في المكانة . قال ابن العربي : وهي أنواع ؛ فرفع محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالشفاعة في أول الخلق ، وبأنه أول من يدخل الجنة ، ويقرع بابها ، ورفع العادلين بالحديث الصحيح : « المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين » « 4 » . ورفع القراء إلى حيث انتهت قراءتهم ؛ يقال : « اقرأ ورتل كما كنت ترتّل في الدنيا ، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها » « 5 » وسيأتي ورفع الشهداء ، فقال في الحديث الصحيح :
هامش
( 1 ) في قوله تعالى :إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ[ سورة الواقعة : 1 ، 2 ] . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 191 ) ، وانظر تعليق الإمام النووي على لفظ الحديث ( 3 / 47 - 48 ) . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 3 / 456 ) بإسناد صحيح . ( 4 ) أخرجه مسلم ( 1827 ) . ( 5 ) أخرجه أحمد ( 2 / 192 ) وأبو داود ( 1464 ) والترمذي ( 2914 ) ، وهو حديث صحيح ؛ صحّحه الشيخ الألباني .
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 258 | القرطبي