تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
فيكلم المأمنين ويحاسبهم حسابا يسيرا من غير ترجمان ، إكراما لهم كما أكرم موسى عليه السلام في الدنيا بالكليم ، ولا يكلم الكفار فتحاسبهم الملائكة ، ويميزهم بذلك عن أهل الكرامة ، فتتسع قدرته لمحاسبة الخلق كلهم معا ، كما تتسع قدرته لإحداث خلائق كثيرة معا . قال اللّه تعالى :
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
[ لقمان : 28 ] أي : إلا كخلق نفس واحدة . ويروى عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ؛ وسئل عن محاسبة الخلق ، فقال : « كما يرزقهم في غداة واحدة كذلك يحاسبهم في ساعة واحدة » . وفي « صحيح مسلم » حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « هل نرى ربّنا يوم القيامة ؟ قال : « هل تضارّون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة ؟ » قالوا : لا . قال : « فهل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر وليس في سحابة » ؟ قالوا : لا . قال : « فوالذي نفس محمد بيده لا تضارّون في رؤية ربكم إلا كما تضارّون في رؤية أحدهما » . قال ؛ فيلقى العبد فيقول : أيا فل « 1 » ! ألم أكرمك وأسوّدك وأزوجك وأسخّر لك الخيل والإبل ، وأذرك ترأس وترتع ؟ فيقول : بلى . فيقول : أفظننت أنك ملاقيّ ؟ فيقول : لا . فيقول : إني أنساك كما نسيتني ، ثم يلقى الثاني ؛ فيقول له ، ويقول هو مثل ذلك بعينه ، ثم يلقى الثالث ؛ فيقول له مثل ذلك . فيقول : يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وتصدقت وصمت ، ويثني بخير ما استطاع . قال : فيقول هاهنا إذا . ثم يقول : الآن نبعث شاهدا عليك . فيقول في نفسه : من ذا الذي يشهد عليّ ؟ فيختم على فيه ، ويقال : لفخذه : انطقي ، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله ، وذلك ليعذر من نفسه ، وذلك المنافق ، وذلك الذي يسخط اللّه عليه » « 2 » . وقد قال اللّه تعالى :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
[ الإسراء : 14 ] أي : حاسبا فعيلا بمعنى فاعل ؛ « وإذ نظر فيها ورأى أنه قد هلك فإن أدركته سابقة حسنة وضعت له لا إله إلا اللّه في كفة فرجحت له السماوات والأرض » . وفي رواية « فطاشت السجلات وثقلت البطاقة » « 3 » وسيأتي ، وقال : « من نوقش الحساب عذّب » « 4 » . ومنها : يوم السؤال ، والبارئ سبحانه وتعالى يسأل الخلق في الدنيا والآخرة تقريرا لإقامة الحجة وإظهارا للحكمة ، قال اللّه تعالى :
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ
هامش
( 1 ) أي : يا فلان . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 2968 ) . ( 3 ) تقدّم تخريجهما . ( 4 ) تقدّم تخريجهما .