تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
فيخلص اللّه تعالى الأجسام من التراب ، والكافرين من المؤمنين ، والمنافقين ، ثم يخلص المؤمنين من المنافقين ، كما في الحديث الصحيح : « إن اللّه تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد » « 1 » . خرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . ومنها ما روي : « أنه يخرج عنق من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حبّ السمسم » « 2 » . وهو صحيح أيضا ، وسيأتي . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « يؤخذ برجال ذات الشمال فأقول : يا رب أصحابي ! فيقول : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك » « 3 » . ومنها : يوم الفزع ؛ وحقيقته : ضعف النفس عن حمل المعاني الطارئة عليها خلاف العادة ، فإن استمر كان جبنا ، وعند ذلك تتشوّق النفس إلى ما يقوّيها ، فلأجل ذلك قالوا : فزعت من كذا ؛ أي : ضعفت عن حمله عند جريانه على خلاف العادة ، وفزعت إلى كذا ؛ أي : تشوّقت نفسي عند ذلك إلى ما يقويها على ما نزل بها . والآخرة كلها خلاف العادة ، وهي فزع كلها . وفي التنزيل :
لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ
[ الأنبياء : 103 ] . وقد اختلف فيه ، فقيل : هو قوله :
لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ
[ الفرقان : 22 ] وقيل : إذا طبقت النار على أهلها وذبح الموت بين الجنة والنار . وقال الحسن : هو وقت يؤمر بالعباد إلى النار . وعنه أن الفزع الأكبر ؛ النفخة الآخرة ، وتتلقاهم الملائكة بالبشارة حتى يخرجوا من قبورهم . ومنها : يوم التناد ؛ بتخفيف الدال ، من النداء . وتشديدها من ندّ إذا ذهب ، وهو قوله تعالى :
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ
[ غافر : 33 ] وهو الذهاب في غير قصد ، وروي أيضا عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « يأمر اللّه إسرافيل فينفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السماوات والأرض » الحديث ، وقد تقدم . وهي التي يقول اللّه :
وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ
[ ص : 15 ] فيسير اللّه الجبال ويرج الأرض بأهلها رجا ، وهي التي يقول اللّه :
تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ أَبْصارُها خاشِعَةٌ
[ النازعات : 6 - 9 ] فيميد الناس على ظهرها ، فتذهل المراضع ، وتضع الحوامل ، وتشيب الولدان ، ويتولى الناس مدبرين ، ينادي بعضهم بعضا ، وهو الذي يقول اللّه تعالى :
يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ
[ غافر : 32 ، 33 ] . قال ابن العربي : « وقد رويت في ذلك آثار كثيرة هذا أمثلها فدعوها ، فالمعنى
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 3340 ) ومسلم ( 194 ) . ( 2 ) جزء من أثر ابن عباس ؛ أخرجه أبو نعيم في « الحلية » ( 6 / 61 ) ونعيم بن حماد في زوائد « الزهد » ( 354 ) ، وفيه شهر بن حوشب . وقد تقدم تخريج الأثر والكلام عليه في باب رقم ( 76 ) . ( 3 ) تقدّم تخريجه والكلام على معناه .