تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
[ الأعراف : 50 ] وأن أهل الجنة ينادونهم :
أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ
[ الأعراف : 44 ] وأنهم يقولون :
يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ
فيقول لهم :
إِنَّكُمْ ماكِثُونَ
[ الزخرف : 77 ] ، وأنهم يقولون لخزنة جهنم :
ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ
فيقولون لهم :
أَ وَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ
[ غافر : 49 ، 50 ] . وأما العقبى والمآل فإنهم إذا قالوا :
أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ
قال اللّه تعالى :
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
[ المؤمنون : 107 ، 108 ] . وكتب عليهم الخلود بالمثل الذي يضرب لهم ؛ وهو : « أن يؤتى بكبش أملح ويسمى الموت ، ثم يذبح على الصراط بين الجنة والنار ، وينادوا : يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت » « 1 » . سلبوا في ذلك الوقت أسماعهم ؛ وقد يجوز أن يسلبوا الأبصار والكلام ، لكن سلب السمع يقين ؛ لأن اللّه تعالى يقول :
لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ
[ الأنبياء : 100 ] فإذا سلبوا الأسماع صاروا إلى الزفير والشهيق ، ويحتمل أن تكون الحكمة في سلب الأسماع من قبل أنهم سمعوا نداء الربّ سبحانه على ألسنة رسله ، فلم يجيبوه بل جحدوه ، وكذّبوا به بعد قيام الحجة عليهم بصحته ، فلما كانت حجة اللّه عليهم في الدنيا الاستماع ؛ عاقبهم على كفرهم في الأخرى بسلب الأسماع ، يبين ذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى اللّه عليه وسلم :
وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
[ فصلت : 50 ] وقالوا :
لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
[ فصلت : 26 ] . وإن قوم نوح عليه السلام كانوا يستغشون ثيابهم تسترا منه لئلّا يروه ولا يسمعوا كلامه ، وقد أخبر اللّه تعالى عن الكفار في وقت نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم مثله فقال :
أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ
[ هود : 5 ] وإن سلبت أبصارهم فلأنهم أبصروا الغير فلم يعتبروا ، والنطق فلأنهم أوتوه فكفروا ، فهذا وجه الجمع بين الآيات على ما قاله علماؤنا ، واللّه تعالى أعلم . * * *
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 6544 ، 6548 ) ومسلم ( 2850 ) من حديث عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنه . وأخرجه البخاري ( 4730 ) ومسلم ( 2849 ) من حديث أبي سعيد الخدري .