الثاني : أنّ الحدوث كيفيّة للوجود ؛ لكونه عبارة عن مسبوقيّة الوجود بالعدم ، فتأخّر عنه تأخّرا ذاتيّا ، والوجود متأخّر عن الإيجاد ، والإيجاد متأخّر عن الاحتياج ، والاحتياج متأخّر عن علّة الاحتياج ، فلو كان الحدوث علّة الحاجة لزم تقديم الشيء على نفسه وعلى ما يتقدّم عليه بمراتب ، وهو محال .
والمعارضة بأنّ الإمكان صفة للممكن بالقياس إلى الوجود ، فيكون متأخّرا عن الوجود ، فلا يكون علّة للافتقار المتقدّم عليه بمراتب مردودة : بأنّ الإمكان متأخّر عن الماهيّة نفسها وعن مفهوم الوجود أيضا ؛ لكونه كيفيّة للنسبة بينهما ، لكنّه ليس متأخّرا عن كون الماهيّة موجودة ، ولهذا توصف الماهيّة ووجودها بالإمكان قبل اتّصافها بالوجود ، وأمّا الحدوث فلا توصف به الماهيّة ولا وجودها إلّا حال كونها موجودة ، ولا شكّ في تأخّره عن الإيجاد ؛ ولهذا صحّ أن يقال : أوجد فحدث ، وبذلك يتمّ المطلوب ، سواء قلنا بتأخّره عن الوجود أيضا ، أم لا .
قال : ( والحكم باحتياج الممكن ضروريّ ) .
أقول : اختلف الناس هنا .
فقال قوم : إنّ هذا الحكم ضروريّ ، أعني أنّ احتياج الممكن لا يحتاج إلى برهان ؛ فإنّ كلّ من تصوّر تساوي طرفي الممكن جزم بالضرورة أنّ أحدهما لا يترجّح من حيث هو مساو - أعني من حيث ذاته - بل من حيث إنّ المرجّح ثابت .
وهذا الحكم قطعيّ لا يقع فيه شكّ .
وقال آخرون : إنّه استدلاليّ « 1 » .
وهو خطأ . وسبب غلطهم أنّهم لم يتصوّروا الممكن على ما هو هو .
المسألة الثالثة والعشرون : في عدم كفاية الأولويّة الذاتيّة في وجود الممكن .
قال : ( ولا تتصوّر الأولويّة لأحد الطرفين بالنظر إلى ذاته ) .
هامش
( 1 ) . انظر : « نهاية المرام في علم الكلام » 1 : 129 .