2 - انّه سبحانه ليس أيسا :
إنّ الأيس بمعنى الوجود ، ولعلّ أوّل من استعمله هو الفيلسوف الكندي ، وقد اشتهر في الفلسفة الإسلاميّة أنّ الممكن من ذاته أن يكون ليس ، ومن علّته أن يكون أيس ، وإن كانت هذه الكلمة في التعبير عن مكانة الممكن تعبيراً غير دقيق ، لأنّ معناه ، أنّ الممكن من ذاته يقتضي العدمَ ، وهذه علامة الممتنع لا الممكن ، فالممكن لا يقتضي من صميم ذاته أحدَ الشيئين ، الأيس والليس .
وعلى كلّ تقدير فهؤلاء يستنكرون وصفه سبحانه بالأيس ، المرادف للوجود .
وقد استدل عليه الداعي الكرماني بوجه مبسّط نأخذ منه ماله صلة بصميم الموضوع ، وحاصل ما ذكره يرجع إلى أمرين :
الأوّل : لمّا كان الأيس - في كونه آيساً - محتاجاً إلى ما يستند إليه في الوجود ، وكان هو - عزّ كبرياؤه - متعالياً عن الحاجة فيما هو هو إلى غير ، به يتعلق ، ما به هو هو ، كان من ذلك الحكم ، بأنّه تعالى خارج عن أن يكون آيساً ، لتعلّق كون الأيس آيساً بالذي يتأوّل عليه الذي جعله آيساً ، واستحالة الأمر في أن يكون هو تعالى آيساً ، ولا هو يحتاج فيما هو هو إلى غير به هو هو ، فيستند إليه ، تكبّر عن ذلك وتعزّز وتعالى علوّاً كبيراً .
فإذا كان هو عزّ وعلا غير محتاج فيما هو هو إلى غير ، به يتعلّق ، ما به هو هو ، فمحال كونه أيسا .
وحاصل هذا الوجه مع تعقيده في التعبير ، يرجع إلى أمر واضح ، وهو أنّه لو كان موصوفاً بالوجود ، فبما أنّ الصفة غير الموصوف ، يحتاج في وصفه به إلى الغير ، وهو تعالى غني عمّا سواه .
ولو كان ما جاء به الكرماني مذهباً للإسماعيليّة فهو يُعرب عن عدم نضوج الفلسفة اليونانية في أوساطهم ، فهؤلاء يتصوّرون أنّ الوجود أمر عارض على