وقد أشار إلى بعض ما ذكر مؤلّف « خطط الشام » وقال : إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله هو الذي حثّ على ولاء عليّ وأهل بيته عليهم السلام وهو أوّل من سمّى أولياءه بالشيعة ، وفي عهده ظهر التشيّع وسمّي جماعة بالشيعة . « 1 »
ولما ارتحل النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله إلى دار البقاء تناسى أُولو القوّة والمنعة من الصحابة عهد النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله فحالوا بين النبيّ صلى الله عليه وآله وأُمنيته كما حالوا بين أُمّته وإمامها ، فتداولوا كُرة الخلافة بينهم ، وأخذوا بمقاليد الحكم واحداً بعد آخر ، والإمام منعزل عن الحكم ، لا عمل له إلّا هداية الأُمّة وإرشادها بلسانه وبيانه وقلمه وبنانه .
ولقد كان الذي دعا عليّاً إلى السكوت والانحياز ، هو مشاهدة ظاهرة الردّة الطارئة على المجتمع الإسلامي عن طريق مسيلمة الكذاب ، وطليحة بن خويلد الأفّاك ، وسجاح بنت الحرث الدجّالة ، وأتباعهم الرعاع الذين كانوا على الدين الفتيّ خطراً جدّياً كان من الممكن أن يؤدّي إلى محق الإسلام وسحق المسلمين . ويحدّث عن هذه الحقيقة الإمام في رسالته التي أرسلها مع مالك الأشتر إلى أهل مصر ، حيث يقول فيها : « فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمّد صلى الله عليه وآله فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم » . « 2 »
رأى الإمام أنّ صيانة الإسلام وردّ عادية الأعداء تتوقّفان على المسالمة والموادعة ، فألقى حبل الخلافة على غاربها ، تقديماً للأهمّ على المهمّ ، وتبعته شيعته صابرين على مضض الحياة ومرّها .
هامش
( 1 ) . خطط الشام : 5 / 251 .
( 2 ) . نهج البلاغة : الكتاب 62 .