في حيرة من أمره ، ويستغني عن المقاييس الظنّية والاستنباطات الذوقية .
وبالرغم من وضوح الأمر وأهميته القصوى إلّا أنّ الخلافة الإسلامية باجتهاداتها حالت دون ذلك ، بل وحاسبت عليه حتّى أنّ الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب قال لأبي ذر وعبد اللَّه بن مسعود وأبي الدرداء : « ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمّد ؟ » « 1 » .
ولقد أضحى عمل الخليفة سنّة فاتّبعه عثمان ومشى على خطاه معاوية ، فأصبح ترك كتابة الحديث سنّة إسلامية ، وعدّت الكتابة شيئاً منكراً مخالفاً لها .
إنّ الرزيّة الكبرى هي المنع عن التحدّث بحديث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وكتابته وتدوينه ، وفسح المجال في نفس الوقت للرهبان والأحبار للتحدّث بما عندهم من صحيح وباطل ، ولقد أذن عمر لتميم الداري النصراني الذي استسلم في عام تسعة من الهجرة أن يقصّ . « 2 »
ولما تسنّم عمر بن عبد العزيز منصب الخلافة ، أدرك ضرورة تدوين الحديث ، فكتب إلى أبي بكر بن حزم في المدينة ، أن يقوم بتدوين الحديث قائلًا : إنّ العلم لا يهلك حتّى يكون سرّاً . « 3 »
ومع ذلك فلم يقدر ابن حزم على القيام بما أمر به الخليفة ؛ لأنّ رواسب الحظر السابق المؤكّد من قبل الخلفاء حالت دون أُمنيته ، إلى أن زالت دولة الأُمويين وجاءت دولة العبّاسيين ، فقام المسلمون بتدوين الحديث في عصر
هامش
( 1 ) . كنز العمال : 10 / 293 برقم 29479 . وفيه : ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول اللَّه في الآفاق .
( 2 ) . كنز العمال : 10 / 281 .
( 3 ) . صحيح البخاري : 1 / 27 .