تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠
الثقافة والدفاع والاقتصاد في ظلّ إطارٍ عام الذي يتجاوب مع التغيّر والتطوّر . فترك للإنسان مجالًا متحرّكاً يختار به أيّ نوع من الألبسة والبناء والمعدّات والوسائل المختلفة ضمن شروط معلومة في الفقه الإسلامي ، ولأجل هذه المرونة فيه نرى أنّه يتجاوب مع جميع الحضارات الإنسانية ، وما هذا إلّا لأنّه لم يتدخّل في الجزئيات المتغيّرة إلّا بوضع إطار خاصّ لا يمنع حرّيته ولا يزاحم التغيّر ، وهنا كلمة قيّمة للشيخ الرئيس ابن سينا نذكرها ، قال : « يجب أن يفوّض كثير من الأحوال خصوصاً في المعاملات إلى الاجتهاد ؛ فإنّ للأوقات أحكاماً لا يمكن أن تنضبط ، وأمّا ضبط المدينة بعد ذلك بمعرفة ترتيب الحفظة ومعرفة الدخل والخرج وإعداد أهب الأسلحة والحقوق والثغور وغير ذلك فينبغي أن يكون ذلك إلى السائس من حيث هو خليفة ، ولا تفرض فيها أحكام جزئية ؛ فإنّ في فرضها فساداً ؛ لأنّها تتغيّر مع تغيّر الأوقات ، وفرض الكليّات فيها مع تمام الاحتراز غير ممكن ، فيجب أن يجعل ذلك إلى أهل المشورة » . « 1 » نعم إنّ عنوان مقتضى الزمان صار رمزاً لكلّ من أراد أن يتحرّر من القيم الأخلاقية ، ويعيش متحلّلًا من كلّ قيد وحدّ ، خالعاً كلّ عذار . وهؤلاء حيثما رأوا الإباحة الجنسيّة ، واختلاط الرجال والنساء ، واتّخاذ الملاهي بأنواعها وشرب المسكر ، واللعب بالميسر ، واقتراف المعاصي وأخذ الربا وغير ذلك ممّا حرّمته الشريعة الإسلامية ، لم يجدوا مبرِّراً لاقترافها إلّا بالتمسّك بمقتضيات الزمان وجبر التاريخ .
هامش
( 1 ) . الشفاء ، قسم الإلهيات : 566 .