تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
وأمّا العقل فقد دلّ على تنزّهه من وصمة الحدوث والتغيير ، وأنّه تقدّست أسماؤه أعلى من أن يقع معرضاً للحوادث والتغييرات ، ولأجل ذلك ذهبوا إلى امتناع البداء عليه - بمعنى الظهور بعد الخفاء والعلم بعد الجهل - لاستلزامه كون ذاته محلًاّ للتغيّر والتبدّل ، المستلزم للتركيب والحدوث ، إلى غير ذلك ممّا يستحيل عليه سبحانه . فالآيات وكذلك الأحاديث المروية عن أئمّة الشيعة عليهم السلام تشهد على علمه الذي لا يشوبه جهل ، وعلى سعته لكلّ شيء قبل الخلق وبعده ، وأنّه يستحيل عليه الظهور بعد الخفاء ، والعلم بعد الجهل . وعليه فمن نسب إلى الشيعة الإمامية ما يستشمّ منه خلاف ما دلّت عليه الآيات والأحاديث فقد افترى كذباً ينشأ من الجهل بعقائد الشيعة ، أو التزلّف إلى حكّام العصر الحاقدين عليهم أو التعصّب المقيت . وبذلك يعلم بطلان ما قاله الرازي في تفسيره عند البحث عن آية المحو والإثبات ، حيث يقول : قالت الرافضة : البداء جائز على اللَّه تعالى ، وهو أن يعتقد شيئاً ثمّ يظهر له أنّ الأمر بخلاف ما اعتقده ، وتمسّكوا فيه بقوله :
« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ »
، ثمّ قال : إنّ هذا باطل ؛ لأنّ علم اللَّه من لوازم ذاته المخصوصة ، وما كان كذلك كان دخول التغيّر والتبدّل فيه باطلًا . « 1 » وما حكاه الرازي عن « الرافضة » كاشف عن جهله بعقيدة الشيعة ، وإنّما سمعه عن بعض الكذّابين الأفّاكين الذين يفتعلون الكذب لغايات فاسدة ، وقد
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي : 4 / 216 تفسير سورة الرعد .
بحوث في الملل والنحل — صفحة 319 | الشيخ جعفر السبحاني