تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
القضايا الشخصية الجزئية عند وجود الخوف على النفس والنفيس ، فإذا دلّت القرائن على أنّ في إظهار العقيدة أو تطبيق العمل على مذهب أهل البيت يحتمل أن يدفع بالمؤمن إلى الضرر يصبح هذا المورد من مواردها ، ويحكم العقل والشرع بلزوم الاتّقاء حتّى يصون بذلك نفسه ونفيسه عن الخطر . وأمّا الأُمور الكلّية الخارجة عن إطار الخوف فلا تتصوّر فيها التقيّة ، والكتب المنتشرة من جانب الشيعة داخلة في هذا النوع الأخير ؛ إذ لا خوف هناك حتّى يكتب خلاف ما يعتقد ، حيث لم يكن هناك لزوم للكتابة أصلًا في هذه الحال ، فله أن يسكت ولا يكتب شيئاً . فما يدّعيه هؤلاء أنّ هذه الكتب دعايات لا واقعيات ناشئ عن عدم معرفتهم بحقيقة التقيّة عند الشيعة . والحاصل : أنّ الشيعة إنّما كانت تتّقي في عصر لم تكن لهم دولة تحميهم ، ولا قدرة ولا منعة تدفع عنهم الأخطار . وأمّا هذه الأعصار فلا مسوّغ ولا مبرر للتقيّة إلّا في موارد خاصة . إنّ الشيعة - وكما ذكرنا - لم تلجأ إلى التقية إلّا بعد أن اضطرّت إلى ذلك ، وهو حقّ لا أعتقد أن يخالفها فيه أحد ينظر إلى الأُمور بلبّه لا بعواطفه ، إلّا أنّ من الثوابت الصحيحة بقاء هذه التقيّة - إلّا في حدود ضيّقة - تنحصر في مستوى الفتاوى ، ولم تترجم إلّا قليلًا على المستوى العملي ، بل كانوا عملياً من أكثر الناس تضحية ، وبوسع كلّ باحث أن يرجع إلى مواقف رجال الشيعة مع معاوية وغيره من الحكام الأُمويين ، والحكّام العباسيين ، أمثال حجر بن عدي ، وميثم التمار ، ورشيد الهجري ، وكميل بن زياد ، ومئات غيرهم ، وكمواقف العلويين على امتداد التاريخ وثوراتهم المتتالية .