الأُمويّون ولا العباسيّون ولا الملوك الغزانوة ولا السلاجقة ولا من أتى بعدهم أيّ حرمة لنفوسهم وأعراضهم وعلومهم ومكتباتهم ، فحين كان اليهود والنصارى يسرحون ويمرحون في أرض الإسلام والمسلمين ، وقد كفل لهم الحكّام حرّيّاتهم باسم الرحمة الإسلامية ، كان الشيعة يأخذون تحت كلّ حجر ومدر ، ويقتلون بالشبهة والظنّة ، وتشرّد أُسرهم ، وتصادر أموالهم ، ولا يجدون بدّاً من أن يخفوا كثيراً من عقائدهم خوف النكال والقتل ، وبأيدي وقلوب نزعت منها الرحمة .
فلا تثريب إذن على الشيعي أمام هذه الوحشية المسرفة من أن يتعامل مع أخيه المسلم بالتقية ، وأن يظهر خلاف ما يعتقده ، بل اللوم أجمعه يقع على من حمله على ذلك ، بعد أن أباح دمه وعرضه وماله .
هذا هو طغرل بيك أوّل ملك من ملوك السلاجقة ورد بغداد سنة 447 ه ، وشنّ على الشيعة حملة شعواء ، وأمر بإحراق مكتبة الشيعة التي أنشأها أبو نصر سابور بن أردشير ، وزير بهاء الدولة البويهي ، وكانت من دور العلم المهمّة في بغداد بناها هذا الوزير الجليل في محلّة بين السورين في الكرخ سنة 381 ه على مثال بيت الحكمة الذي بناه هارون الرشيد ، وكانت من الأهمية العلمية بمكان ؛ حيث جمع فيها هذا الوزير ما تفرّق من كتب فارس والعراق ، واستكتب تآليف أهل الهند والصين والروم ، كما قاله محمد كرد علي ، ونافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار ومهام الأسفار ، وأكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلّفين . « 1 »
هامش
( 1 ) . خطط الشام : 3 / 185 .