تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
هذه كلّها أُمور لا تستقيم للعقل ، ولا تثبت للنقد ، ولا ينبغي أن تقام عليها أُمور التاريخ ، وإنّما الشيء الواضح الذي ليس فيه شكّ هو أنّ ظروف الحياة الإسلامية في ذلك الوقت كانت بطبعها تدفع إلى اختلاف الرأي ، وافتراق الأهواء ، ونشأة المذاهب السياسيّة المتباينة ، فالمستمسكون بنصوص القرآن وسنّة النبيّ وسيرة صاحبيه كانوا يرون أُموراً تطرأ ، ينكرونها ولا يعرفونها ، ويريدون أن تواجه كما كان عمر يواجهها في حزم وشدة وضبط للنفس وضبط للرعية ، والشباب الناشئون في قريش وغير قريش من أحياء العرب كانوا يستقبلون هذه الأُمور الجديدة بنفوس جديدة ، فيها الطمع ، وفيها الطموح ، وفيها الأثرة ، وفيها الأمل البعيد ، وفيها الهَمّ الذي لا يعرف حدّاً يقف عنده ، وفيها من أجل هذا كلّه التنافس والتزاحم لا على المناصب وحدها بل عليها وعلى كل شيء من حولها ، وهذه الأُمور الجديدة نفسها كانت خليقة أن تدفع الشيوخ والشباب إلى ما دفعوا إليه ، فهذه أقطار واسعة من الأرض تفتح عليهم ، وهذه الأموال لا تحصى تجبى لهم من هذه الأقطار ، فأيّ غرابة في أن يتنافسوا في إدارة هذه الأقطار المفتوحة ، والانتفاع بهذه الأموال المجموعة ؟ وهذه بلاد أُخرى لم تفتح ، وكلّ شيء يدعوهم إلى أن يفتحوها كما فتحوا غيرها ، فما لهم لا يستبقون إلى الفتح ؟ وما لهم لا يتنافسون فيما يكسبه الفاتحون من المجد والغنيمة إن كانوا من طلّاب الدنيا ، ومن الأجر والمثوبة إن كانوا من طلّاب الآخرة ؟ ثمّ ما لهم جميعاً لا يختلفون في سياسة هذا المُلك الضخم وهذا الثراء العريض ؟ وأيّ غرابة في أن يندفع الطامحون الطامعون من شباب قريش من خلال هذه الأبواب التي فتحت لهم ليلجوا منها إلى المجد والسلطان والثراء ؟ وأيّ غرابة في أن يهمّ بمنافستهم في