وفي حقّ هؤلاء يقول أحد الكتّاب المعاصرين :
« وفي الشرق كتَّابٌ لا يعنيهم من التاريخ واقعٌ ولا من الحياة حالٌ أو ظرف ، فإذا بهم يعلّلون ثورة المظلومين على عثمان ، ويحصرون أحداث عصر ، بل عصور ، بإرادة فرد يطوف في الأمصار والأقطار ويؤلّب الناس على خليفة ودولة ! !
إنّ النتيجة العملية لمثل هذا الزعم وهذا الافتراء هي أنّ الدولة في عهد عثمان ووزيره مروان إنَّما كانت دولة مثاليّة ، وأنّ الأمويين والولاة والأرستقراطيين إنَّما كانوا رُسُل العدالة الاجتماعية والإخاء البشري في أرض العرب . غير أنّ رجلًا فرداً هو عبد اللَّه بن سبأ أفسد على الأمويين والولاة والأرستقراطيين صلاحهم وبرّهم ؛ إذ جعل يطوف الأمصار والأقطار مؤلّباً على عثمان وأُمرائه وولاته الصالحين المُصلحين ، ولولا هذا الرجل الفرد وطوافه في الأمصار والأقطار لعاش الناس في نعيم مروان وعدل الوليد وحلم معاوية عيشاً هو الرغادة وهو الرخاء .
في مثل هذا الزعم افتراءٌ على الواقع ، واعتداء على الخلق ، ومسايرة ضئيلة الشأن لبعض الآراء ، يغلّف ذلك جميعاً منطق ساذج وحجّة مصطنعة واهية . وفيه ما هو أخطر من ذلك ؛ فيه تضليل عن حقائق أساسية في بناء التاريخ ؛ إذ يحاول صاحب هذا المسعى الفاشل أن يحصر أحداث عصر بكامله ، بل عصور كثيرة ، بإرادة فردٍ يطوف في الأمصار ويؤلّب الناس على دولة فيثور هؤلاء الناس على هذه الدولة لا لشيء إلّا لأنّ هذا الفرد طاف بهم وأثارهم ! !
بحوث في الملل والنحل — صفحة 116
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١١٦