الدين وتثبيت أركانه ، وأوضحت - وذاك لا خفاء عليه - أنّ من غير المنطقي لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله أن يرحل - مع أنّه لم يفاجئه الموت - دون أن يدرك هذه الحقيقة التي ليس هو ببعيد عنها ، ولا يمكن أن يتغاضى عنها ، وهو الذي ما خرج في أمر جسيم إلّا وخلّف عنه من ينوبه في إدارة شؤون الأُمّة في فترة غيابه التي لا يلبث أن يعود منها بعد أيّام معدودات ، فكيف بالرحيل الأبدي ؟ !
نعم إنّ هذا الأمر لا بدّ وإن يستوقف كلّ ذي لبّ وعقل مستنير .
كما أنّ الاستقراء المتأنّي لأحداث السقيفة قد أوضح وبقوّة في أثناء المؤتمر وبعده وجود تيار قوي ومتماسك تبنّته جملة من وجوه الصحابة ومتقدّميها ، وعمدت إلى التذكير بوجوده والإجهار به ، ولو قادهم هذا الأمر إلى الاقتتال دون تنفيذه ، وذاك الأمر هو الإصرار على إيكال أمر الخلافة إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام دون غيره ، رغم ابتعاده عليه السلام عن ساحة الاعتراك وميدان التنازع في تلك السقيفة .
ولعلّ تمسّك هذه الثلّة من الصحابة بموقفها من بيعة الإمام دون غيره هو ما دفع بعض المؤرّخين إلى الذهاب بأنّ التشيّع كان وليد هذا المؤتمر ونتاج مخاضه ، وأن يليهم آخرون يتعبّدون بهذا الرأي ويرتّبون من خلاله تصوّراتهم وأفكارهم ، فيتشعّب ذلك إلى جملة واسعة من المتبنّيات غير الواقعية والقائمة على أرض واسعة من الأوهام والاسترسال غير المنطقي .
ولعلّ هذه التصوّرات تعتمد في فهمها أساساً لمبدإ نشأة التشيّع على ما رواه الطبري وغيره عن مجريات هذا المؤتمر وما ترتّب عليه من
بحوث في الملل والنحل — صفحة 103
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٠٣