فإنّ الوهابيين تبعاً لشيخهم في المنهج يصورون جميع هذه الدعوات دعوات شركية أشبه بدعاء عبدة الأصنام .
ولكنّك بعد ما أحطت خبراً بما ذكرنا سرعان ما ترجع وتقضي بحكمين مختلفين ينشئان من اختلاف عقيدة الداعي وتقول : إنّ كل واحد من هذه الأُمور على وجهٍ ، شرك ، وعلى وجه آخر ليس بشرك ، ولا يعلم أيّ واحد منهما إلّا أن نقف على عقيدة السائل .
فلو كان المدعو في اعتقاد الداعي هو اللّه العالم أو غيره ، لكن باعتقاد أن له سهماً من الألوهية أو الربوبية ، فهو عبادة بلا شك ، حتّى لو سئل منه السقي بالماء وإيصاد الباب ، وما شابههما من الأُمور العادية البسيطة والمتعارفة .
وأمّا إذا كان المدعو حسب اعتقاد الداعي عبداً مرزوقاً ومربوباً محتاجاً ، قائماً في ذاته باللّه سبحانه ، مستمداً في فعله منه ، ولا يقوم بفعل إلّا بإقداره وإذنه ، فلا يكون الطلب منه ولا دعاؤه متّسماً بوصف العبادة ، بل أقصى ما يمكن أن يقال هو أنّه إذا كان المسؤول والمدعو قادراً على العمل ، يكون الطلب مفيداً ، وإلّا يكون لغواً .
وبذلك يظهر أنّ الميزان في توصيف العمل بالشرك والانحراف عن خط التوحيد ليس هو صور الأعمال وظواهرها ، بل المراد حقائقها وبواطنها . فما ورد في كلمات القوم من تشبيه عمل المسلمين بعمل عبدة الأصنام تشبيه باطل لا يعوّل عليه .
بقيت هنا كلمة وهي :
بحوث في الملل والنحل — صفحة 112
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١١٢