تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
فلأجل ذلك يتطلّعون إلى تلك العهود تطلع الصائم إلى الهلال ، والظامئ إلى الماء . لكن الدعايات الخاطئة عاقتهم عن التعرف على ما في تلك العصور من النقاش والخلاف بين المسلمين وسفك الدماء وقتل الأولياء وحكومة الإرهاب والإرعاب ، إلى غير ذلك من المصائب والطامات الكبرى . ولو درسوا تاريخ السلف منذ فارق النبي الأعظم المسلمين وتسنم الأمويون منصة الخلافة إلى أن انتكث فتلهم ، وأجهز عليهم عملهم ، وورثهم العباسيون ولم يكونوا في العمل والسيرة بأحسن حال منهم لوقفوا على أنّ حياة السلف لم تكن حياة مثالية راقية ، بل كانت تسودها المجازر الطاحنة الدامية ، والجنايات الفظيعة التي ارتكبتها الطغمة الأموية والعباسية في حقّ الأبرياء الأولياء والعلويين من العترة الطاهرة . فلو صحّ ما في التواريخ المتواترة ، لدلّ قبل كلّ شيء على أنّ السلف لم يكن بأفضل من الخلف ، وأنّ الخلف لم يكن بأسوإ من السلف ، ففي كلتا الفئتين رجال صالحون مثاليون كما فيهما رجال دجّالون وأُناس طالحون .

المفكّرون الإسلاميون المعاصرون والسلفية

ومن المؤسف أنّ السلفية اتخذت لنفسها في الآونة الأخيرة طابعاً حاداً وسلوكاً في غاية الجمود والتحجّر ، وفي منتهى التقشف والتزمت حتى ذهب من ينحو هذا المنحى إلى تحريم كلّ ما يتصل بالحضارة ومعطياتها المباحة شرعاً ، فإذا بهم يحرمون حتى التصوير الفوتوغرافي ويهاجمون الراديو والتلفزيون « 1 » عتواً وجهلًا . وقد كان هذا الموقف الجامد المتحجّر ، وهذا التزمت والجفاف الذي ما أنزل اللّه به من سلطان ، والذي أسند وللأسف إلى الإسلام ، وما رافقه من قوة على الآخرين ورميهم بالبدعة ، والخروج على الدين بحجة عدم
هامش
( 1 ) . راجع مجلة الفرقان العدد الخامس من السنّة الأُولى وتصدرها جماعة من السلفيّين المتشدّدين .