الأمور عن مشيئته ، وتصاغرت عزّة « 1 » المتجبّرين دون جلال عظمته ، وخضعت له الرقاب ، وعنت الوجوه من مخافته ، وظهرت في بدائع الذي أحدثها آثار حكمته ، وصار كلّ شيء خلق حجة له ومنتسبا إليه ؛ وإن كان خلقا صامتا فحجّته بالتدبير ناطقة فيه .
فقدّر ما خلق ، فأحكم تقديره ، ووضع كلّ شيء بلطف تدبيره موضعه ، ووجّهه بجهة فلم يبلغ منه شيء حدود منزلته ، ولم يقصر دون الانتهاء إلى مشيئته ، ولم يستصعب إذ أمره بالمضيّ إلى إرادته - بلا معاناة للغوب منّته « 2 » ولا مكابدة « 3 » لمخالف له على أمره - فتمّ خلقه ، وأذعن لطاعته ، ووافى الوقت الذي أخرجه إليه إجابة ؛ لم يعترض دونها المبطئ ، ولا أناة المتلكّئ . وأقام من الأشياء أودها وهيّأ « 4 » معالم حدودها ، ولاءم بقدرته بين متضادّاتها ، ووصل أسباب قرائنها ، وخالف بين ألوانها ، وفرّقها أجناسا مختلفات في الأقدار والغرائز والهيئات .
بدايا « 5 » خلائق أحكم صنعها ، وفطرها على ما أراد إذ ابتدعها ؛ انتظم علمه صنوف درّها ، وأدرك « 6 » تدبيره حسن تقديرها » .
- الحديث - وقد مرّ ذكر تمامه في التنزيه ؛ رواه في كتاب التوحيد « 7 » ، وبعضه مذكور في نهج البلاغة « 8 » بأدنى تغيير في اللفظ .
ولنقتصر من كلماتهم عليهم السلام على ذلك .
هامش
( 1 ) مل : غرة .
( 2 ) ر : ن ح : مسه .
( 3 ) مل : ولا مكايدة .
( 4 ) المصدر : نهّى .
( 5 ) بدايا : جمع بدئ . وهو العجيب البديع . والبدايا خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : هذه الأشياء التي وصفتها بدائع خلائق .
( 6 ) مل : وادراك .
( 7 ) التوحيد : باب التوحيد ونفي التشبيه ، 49 - 56 ، 13 . عنه البحار : 4 / 274 - 276 ، ح 16 .
( 8 ) نهج البلاغة : الخطبة 91 ( خطبة الأشباح ) . مع فروق كثيرة لم نتعرض لها . عنه البحار :
57 / 106 - 107 ، 90 . و 77 / 316 - 317 .