وإليه أشار مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بقوله « 1 » : « درجات متفاضلات ومنازل متفاوتات ، لا ينقطع نعيمها ، ولا يظعن مقيمها ، ولا يهرم خالدها ، ولا ييأس ساكنها » .
وتفاضلها إمّا بالنوع ، أو الكمّ ، أو الكيف ؛ فإنّ كلّ نوع من الأنواع الموجودة في هذا العالم يوجد هناك على وجه عقليّ وجودا قويّا أو ضعيفا ، كما يوجد هاهنا صناعات مختلفة في نفس واحدة منّا متفاضلة في النوع أو القوّة والضعف أو الكثرة والقلّة
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
[ 6 / 132 ] .
نور [ اتصال الأرواح في الآخرة والتذاذهم بذلك ]
ولمّا جاز اجتماع النفوس هناك - ولو بلغت إلى لا نهاية - لعدم تضايق بعضها عن بعض ، فكلّما كثرت الأرواح المفارقة عن الأبدان المتعارفة المؤتلفة واتّصل بعضها ببعض - اتّصال معقول بمعقول - كان التذاذ كلّ واحد منها بالأخرى أشدّ ، وكلّما لحق بهم من بعدهم زاد التذاذ من لحق بمصادفة الماضين ، وزادت لذّات الماضين بمصادفة اللاحقين ؛ كما قال اللّه - سبحانه - :
وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
[ 3 / 170 ] .
لأنّ كلّ واحد منهم هويّة وجوده نوريّة ، فيعقل ذاته ، ويعقل مثل ذاته مرّات كثيرة ، ولأنّ المتلاحقين إلى غير نهاية يكون تزايد قوّة كلّ واحد واحد ولذّاته في غابر الزمان إلى غير نهاية نوعا وكمّا وكيفا كما ذكرناه .
نور [ اللذائذ الحسيّة ]
وأمّا اللّذة الحسّيّة : كالالتذاذ بالطعام والشراب والنكاح والأصوات الطيّبة
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : الخطبة 85 ؛ أولها : « وأشهد أن لا إله إلّا اللّه . . . » .