الأجزاء ، فوجود كلّ منهما وحضوره يقتضي فقد صاحبه وغيبته ؛ وأمّا النشأة الاخرويّة فليست كذلك .
ومنها : أنّ عدد الأبدان في الآخرة كعدد النفوس غير متناهية ، لعدم التضايق والتزاحم فيها ، إذ ليست في أمكنة وأبعاد ، ولا في موادّ جسمانيّة ؛ بل اتّصال بعضها ببعض اتّصال عقلي وتلاق معنويّ .
ومنها : أنّ النفس الواحدة فيها مع ما تتصوّره وتدركه من الصور بمنزلة عالم عظيم نفسانيّ أعظم من هذا العالم الجسمانيّ بما فيه ، وأنّ كلّ ما فيها من الأشجار والأنهار والأبنية والغرف حيّة بحياة واحدة ذاتيّة ، هي حياة النفس التي تدركها وتوجدها .
ومنها : أنّه ما لم تخرب الدنيا لم توجد الآخرة ، وهذا فرقان مبين ؛ إذ لو كانت الآخرة من جوهر الدنيا لم يصحّ أنّ الدنيا تخرب ، لأنّ الدنيا إنّما هي دنيا بالجوهر ونحو الوجود ، لا بالتخصّصات الشخصيّة والامتيازات التعيّنيّة ، وإلّا لكان كلّ يوم دنيا أخرى ، لتبدّل الأشكال والهيئات والمشخّصات ، ولكان القول بالآخرة تناسخا ، ولكان البعث عبارة عن الدنيا بعد خرابها ، وقد ثبت أنّ الدنيا تضمحلّ وتفنى ولا تعود أبدا .
ومنها : أنّ الآخرة لا تنتظم مع الدنيا في سلك واحد ، ولا إحداهما مع الأخرى في جهة واحدة أو اتّصال واحد زمانيّ أو مكانيّ ، وليس منها ولا من الصور الموجودة فيها في الدنيا إلّا أمثلة بعيدة ،
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
[ 32 / 17 ]
وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
[ 56 / 61 ] قال ابن عباس ليس في الدنيا مما في الجنّة إلّا الأسماء .