ما يصدر من الفاعل - لا بواسطة المادّة الجسمانيّة - فحصوله في نفسه عين حصوله لفاعله ، وليس من شرط الحصول : الحلول والاتّصاف ، فإنّ صور الموجودات حاصلة للباري سبحانه قائمة به من غير حلول ولا اتّصاف ، وإنّ حصول الشيء للفاعل أوكد من حصوله للقابل ، فلكلّ واحد من أهل السعادة في الآخرة عالم فيه ما يريد ، ومن يرغب في صحبته ينشأ في لحظة عين أو فلتة خاطر .
فالعوالم هناك بلا نهاية ، كلّ منها كعرض السماوات والأرض بلا مزاحمة شريك وسهيم ، فكلّ عالم عالم ، واللّه - عزّ وجلّ - ربّ العالمين .
قال استاذنا - دام ظله - : ويمكن أن يخلق اللّه - سبحانه - ادراكات اخر لأهل الجنّة يدركون بها ما أخفى لهم من قرّة أعين ، واللّه قادر على كلّ شيء وهو بكلّ شيء عليم .
قال الفاضل العارف كمال الدين بن ميثم البحراني في شرح نهج البلاغة عند قوله عليه السلام « درجات متفاضلات » « 1 » :
« اعلم أنّ ألذّ ثمار الجنّة هي المعارف الإلهيّة ، والنظر إلى وجه اللّه ذي الجلال والإكرام ؛ والسعداء في الوصول إلى نيل هذه الثمرة على مراتب متفاوتة ودرجات متفاضلة :
فالأولى مرتبة من أوتي الكمال « 2 » في حدس القوّة النظريّة ، حتّى استغنى عن معلّم بشريّ رأسا ، وأوتي مع ذلك ثبات قوّته المفكّرة واستقامة وهمه ، منقادا تحت قلم العقل ، فلا يلتفت إلى العالم المحسوس بما فيه ، حتّى يشاهد العالم المعقول بما فيه من الأحوال ، ويستثبتها في اليقظة ؛ فيصير العالم وما يجري فيه متمثّلا في نفسه ، فيكون لقوّته النفسانيّة أن تؤثّر في عالم الطبيعة ، حتّى ينتهي إلى درجة النفوس السماويّة ، وتلك هي النفوس القدسيّة أولات المعارج ، وهم
السَّابِقُونَ
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة : 2 / 279 - 280 . الخطبة 82 حسب ترقيم الشرح .
( 2 ) مل : من أدنى الكمال .