لجوامع الكلم ولوامع الحكم ، الذي يعجز العقول عن إدراكها ، بل كلّما تغلغل الإنسان في رياض فنونها ، وتعمّق في بحار عيونها انفتحت له مسالك موصلة إلى مقفلاتها ، واتّضحت له مدارك تبيّن جمل مشكلاتها ، وانكشفت له معالم يدرك بها وجوه صوابها ، ولاحت له لوائح تذلّل شديد صعابها ، فيستخرج بغوّاص عقله جواهر بحارها ، وتقدح بزناد فكره فيقتبس من أضواء أنوارها ، وترى العلماء العارفين كلّ وقت في ازدياد لا ينتهون إلى غاية في بلوغ المراد :
إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ
[ 38 / 54 ] . وقد ملأت علوم الأقدمين الدفاتر ، وقد صدق من قال : « كم ترك الأول للآخر » .
وقال نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله « 1 » : « . . . فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن ؛ فإنّه شافع مشفّع وماحل مصدّق ، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنّة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل ، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل ، وهو الفصل ليس بالهزل ، وله ظهر وبطن ؛ فظاهره حكم وباطنه علم ، ظاهره أنيق وباطنه عميق ، له تخوم وعلى تخومه تخوم « 2 » ، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه ، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة ، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة .
فليجل جال بصره وليبلغ الصفة نظره ، ينج من عطب ، ويخلص « 3 » من نشب ، فإنّ التفكّر حياة قلب البصير ، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور ؛ فعليكم بحسن التخلّص وقلّة التربّص « 4 » » .
وقال صلّى اللّه عليه وآله « 5 » : « القرآن هدى من الضلالة ، وتبيان من العمى ، واستقالة من العثرة ، ونور من الظلمة ، وضياء من الأجداث « 6 » ، وعصمة من الهلكة ،
هامش
( 1 ) الكافي : 2 / 599 كتاب فضل القرآن ، ح 1 .
( 2 ) في بعض نسخ المصدر : له نجوم وعلى نجومه نجوم .
( 3 ) المصدر : يتخلص .
( 4 ) التربّص : الانتظار . تربّص عن الأمر : توقّف .
( 5 ) الكافي : الباب السابق ، 2 / 600 ، ح 8 .
( 6 ) كذا في مل والوافي : ر : في . بدلا من « من » وفي المصدر : « وضياء من الأحداث » .