الآمر في الحقيقة ، إلّا أنّ بعض هذه الأمور علل وموجبات ، وبعضها علامات ومعرّفات ، وبعضها ينقسم إلى القسمين .
ولعلّ الدعاء من القسم الثالث ؛ ولهذا اشتهر بين الداعين « إنّ الدعاء كالدواء ، بعضها يؤثّر بالطبع ، وبعضها بالخاصيّة » . فالأوّل إشارة إلى الأوّل ، والثاني إلى الثاني .
وأمّا الابتلاء من اللّه - سبحانه - فهو إظهار ما كتب - لنا أو علينا - في القدر ، وإبراز ما أودع فينا وغرّز في طباعنا بالقوّة ، بحيث يترتّب عليه الثواب والعقاب ، فإنّه ما لم يخرج من القوّة إلى الفعل لم يوجد بعد - وإن كان معلوما للّه سبحانه - فلا تحصل ثمرته وتبعته اللازمتان .
ولهذا قال عزّ وجلّ :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ
[ 47 / 31 ] - وأمثال ذلك من الآيات - أي نعلمهم موصوفين بهذه الصفة ، بحيث يترتّب عليها الجزاء ؛ وأمّا قبل ذلك الابتلاء فإنّه علمهم مستعدّين للمجاهدة والصبر ، صائرين إليهما بعد حين .
نور
وأمّا الثواب والعقاب : فهما من لوازم الأفاعيل الواقعة منّا وثمراتها ، ولواحق الأمور الموجودة فينا وتبعاتها ، ليسا يردان علينا من خارج .
فالمجازاة أيضا هو إظهار ما كتب لنا أو علينا في القدر ، وابراز ما أودع فينا وغرّز في طباعنا بالقوّة ، كما قال سبحانه :
سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ
[ 6 / 139 ] وقال عزّ وجلّ :
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
[ 29 / 54 ] .
فمن أساء عمله أو أخطأ في اعتقاده ، فإنّما ظلم نفسه بظلمة جوهره وسوء استعداده ، فكان أهلا للشقاوة في معاده ؛ وليس ذلك لأنّ اللّه سبحانه يستولى عليه الغضب ، ويحدث له الانتقام - تعالى عن ذلك - .
وإنّما ورد أمثال ذلك في الشرع على نحو من التجوّز .