كذا أفاد أستادنا - سلّمه اللّه تعالى - وقال : « فأخمد ضرام أوهامك أيّها الجبريّ ، فالفعل ثابت لك بمباشرتك إيّاه وقيامه بك ، وسكّن جأشك أيّها القدريّ ، فإنّ الفعل مسلوب منك من حيث أنت أنت ، لأنّ وجودك إذا قطع النظر عن ارتباطه بوجود الحقّ باطل ، فكذا فعلك ؛ إذ كلّ فعل متقوّم بوجود فاعله ؛ وانظرا جميعا بعين الاعتبار في فعل الحواسّ ، كيف انمحت وانطوت في فعل النفس ، وتصوّرها في تصوّر النفس .
واتلو جميعا قوله تعالى :
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
[ 9 / 14 ] ؛ وتصالحا بقول الإمام بالحقّ « 1 » : « لا جبر ولا تفويض ، بل أمر بين الأمرين » .
تنبيه سرّيّ « 2 » [ سرّ نسبة الفعل إلى الفواعل المختلفة ]
ولأجل هذا التطابق بين الجبر والتفويض ، والتوافق بين الوجوب والإمكان ، نسب اللّه الأفعال في القرآن مرّة إلى نفسه ومرّة إلى العباد . فقال تعالى :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
[ 39 / 42 ] . وقال :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ
[ 32 / 11 ] . وقال سبحانه في نفخ الروح في مريم - على نبيّنا وعليها السلام - :
فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا
[ 66 / 12 ] ؛ وقال :
فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
[ 19 / 17 ] - وفي الحديث « 3 » : « إنّ النافخ فيه « 4 » جبرئيل » .
وقال - عزّ وجلّ - في القتل :
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
[ 9 / 14 ] ؛ فأضاف القتل إلى العباد والتعذيب إلى نفسه ، والتعذيب عين القتل هنا ؛ وقال :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ
[ 8 / 17 ] . وقال في الرمي :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ 8 / 17 ] ؛ وهو جمع بين النفي والإثبات ظاهرا ، ولكنّ
هامش
( 1 ) مضى آنفا .
( 2 ) مقتبس من إحياء علوم الدين : كتاب التوحيد والتوكل : 4 / 374 .
( 3 ) راجع تفسير القمي : سورة مريم ، 2 / 48 . قصص الأنبياء : الباب الثامن عشر ، 264 .
( 4 ) مل : - فيه .