تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
بالعدم ؛ لأنّ الداعي لا يدعو إلّا إلى معدوم . وأثر الموجب يقارنه في الزمان ؛ إذ لو تأخّر عنه لكان وجوده في زمان دون آخر . فإن لم يتوقّف على أمر غير ما فرض مؤثّرا كان ترجيحا من غير مرجّح ، وإن توقّف لم يكن المؤثّر تامّا وقد فرض تامّا ، هذا خلف .

[ ردّ القول بأنّ اللّه فاعل موجب ]

أقول : هذه مقدّمة يفتقر إليها في إثبات قادريّته تعالى ، وفيها بحثان : الأوّل : إنّ الفاعل إمّا أن يكون موجبا أو مختارا على سبيل الانفصال الحقيقيّ ؛ لأنّه إمّا أن يكون بحيث يصحّ منه الفعل والترك أولا . والأوّل المختار ، والثاني الموجب . وبيانه : أنّ الفاعل إمّا أن يكون فعله تابعا لقصده وداعيه أو لا يكون ، بل لقاسر أو لطبع المحلّ . والأوّل المختار ، والثاني الموجب . وليعتبر العاقل من نفسه الفرق بين حركته على وجه الأرض في مصالحه ومهمّاته ، وبين حركته حال إلقائه من شاهق وحركات نبضه ، فإنّه يجد من نفسه في الأوّل بحيث يمكنه الفعل ويمكنه الترك ويترجّح أحدهما بانضياف ميل جازم منه إلى وقوعه ، وذلك الميل تابع لتصوّر جلب نفع أو دفع ضرر . وفي الثاني يجد من نفسه بحيث لا يقدر على أن لا تصدر منه الحركة ، حتّى لو أراد عدمها وجزم به لم يؤثّر ذلك شيئا ، فهذا فرق بين الموجب والمختار . الثاني : أنّ فعل المختار حادث وفعل الموجب لا يتخلّف عنه . والأوّل هو المعركة العظيمة بين الحكماء والمتكلّمين ؛ لأنّه قد اشتهر عند الحكماء عدم القول باختيار الصانع ، لقولهم بقدم العالم المستلزم لإيجاب الفاعل . والمتأخّرون نقلوا خلاف هذا المشهور وقالوا : إنّ المحقّقين من الحكماء يقولون باختيار الصانع . بل إنّما محلّ النزاع بينهم أنّ فعل المختار هل يجوز تأخّره عنه أم لا ؟ فالحكماء قالوا : لا يجوز . وفسّروا المختار بأنّه الفاعل بقدرة وإرادة ، فإذا انضمّت الداعية إلى القدرة يجب أن يكون الفعل معها بالزمان ؛ لأنّ الفاعل مع الداعي يصير علّة تامّة ، والعلّة التامّة لا يتأخّر معلولها عنها ، وقدرة اللّه تعالى وإرادته قديمتان ، فوجب عندهم قدم العالم « 1 » .
هامش
( 1 ) - قال المصنّف في إرشاد الطالبين بعد تعريف فاعل المختار والموجب : واعلم أنّه قد اشتهر بين القوم - أعني