تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
بالحدوث إلّا مسبوقيّة الوجود بالعدم . وهذا الدليل يدلّ على حدوث كلّ ما عدا الواجب ، جسما كان أو عرضا أو مجرّدا ؛ لشمول الإمكان لكلّ واحد منها . وإنّما قيّدنا الحدوث بالزمانيّ ؛ لأنّ الحدوث يقال على معنيين : أحدهما : زمانيّ ، وهو كون الوجود مسبوقا بالعدم سبقا لا يجتمع السابق مع المسبوق ، بأن يكون العدم في زمان ، والوجود في زمان آخر بعده . وثانيهما : ذاتي ، وهو كون الوجود مسبوقا بالغير ، وهو لا ينافي القدم الزماني . وبيانه : أنّ الممكن لمّا لم يكن وجوده من ذاته بل من غيره فكان - بالنظر إلى ذاته - لا يستحقّ الوجود ، وإنّما يحصل له الوجود بالسبب المغاير لذاته . فيكون عدم استحقاق الوجود حاصلا له من ذاته واستحقاق الوجود حاصلا له من غيره ، وما بالذات أسبق ممّا بالغير ، فيكون عدم استحقاق الوجود سابقا على الوجود المعنيّ بالحدوث الذاتيّ . وفي قول المصنّف : « وهذا الوجود يسمّى حدوثا » تسامح ؛ لأنّ الحدوث كيفيّة الوجود ، والوجود متقدّم عليها تقدّم الموصوف على الصفة ، فلا يكون نفسه .

[ إبطال القول بقدم العالم ]

قال : واستحالة حوادث لا إلى أوّل - كما يقوله الفلسفيّ - لا يحتاج إلى بيان طائل بعد ثبوت إمكانها المقتضي لحدوثها . أقول : هذا هو البحث الثاني في هذا الأصل . واعلم أنّ الفلاسفة لمّا قالوا بقدم العالم جوّزوا تحقّق حوادث لا إلى أوّل قبل كلّ حادث حادث وهكذا إلى غير النهاية ؛ وذلك لأنّهم يشترطون في بطلان التسلسل اجتماع أفراده في الوجود الخارجيّ ، وترتيبها أحد الترتيبين : إمّا الطبيعيّ أو الوضعيّ ، فلذلك جوّزوا حوادث لا إلى أوّل ؛ لأنّها وإن كانت مترتّبة لكن لا تجتمع أجزاؤها في الوجود « 1 » . والمتكلّمون منعوا من ذلك ، ولهم على إبطال
هامش
( 1 ) - لا بأس بذكر علّة ذهاب الفلاسفة إلى القول بقدم العالم ، ثمّ بيان ما يترتّب عليه من القول بتحقّق حوادث لا إلى أوّل . قال المحقّق الطوسيّ في تلخيص المحصّل : إنّ إثبات القادريّة للّه تعالى مبنيّ على حدوث العالم وإبطال حوادث لا إلى أوّل . ثمّ قال : واعلم أنّ القادر هو الذي يصحّ أن يصدر عنه الفعل وأن لا يصدر ، وهذه الصحّة هي القدرة . وإنّما يترجّح أحد الطرفين على الآخر بانضياف وجود الإرادة أو عدمها إلى القدرة . والفلاسفة لا ينكرون ذلك ، إنّما الخلاف في الفعل مع