وأما العلمية ، وهي القوة النظرية والعقائد الدينية ، فلها طرفا افراط وتفريط والوسط هو العدل المستقيم ، فالإفراط هو التجاوز عن حد الاعتدال المسمى بالغلو ، والتفريط هو التجاوز التقاعد عن الدين وعدم الذهاب إليه ، وربما يشار إلى الطرفين بالمغضوب عليهم ولا الضالين .
فان الغضب على من قصر وفرط غالبا أو يلائمه ، بتقريب أن الغضب يلزمه البعد والطرد ، والمفرط في كل شيء هو المعرض عنه غير مجد لطائل فهو بعيد عن ذلك ، والمفرط فقد أقبل الا أنه جاوز عن حد الاعتدال ، فغاب عن المقصود ، وحصل له الضلال .
ولذلك قد ورد في تفاسير كثيرة أن المغضوب عليهم اليهود ، حيث فرطوا فجعلوا الاله كالأصنام ، قالوا : يا موسى اجعل لنا إلها كمالهم آلهة ، وقالوا : لن نؤمن لك حتى نرى اللّه جهرة ، فقال اللّه تعالى فيهم
« وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ »
« 1 » والضالين النصارى قالوا : ان اللّه ثالث ثلاثة ، وقالوا : المسيح بن اللّه ، فقال اللّه تعالى فيهم
« وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ »
« 2 » .
ويقال : الغضب في القوة العملية ، والضلال في القوة النظرية ، فيصير حاصل هذا الجواب الهداية بالاستقامة في المرتبتين ، فيكون جامعا للجواب الأول والثاني والرابع والخامس فيكون الهداية باقية على معناها ، ويكون ما مر كله مرادا من الصراط المستقيم .
الثاني : أن يكون المراد من الهداية الثبات والدوام في الدين ، وهو الذي ورد عن أمير المؤمنين وسيأتي في تفسير الامام بالحق العسكري عليه السّلام ، وهو الذي تقدم من الكشاف ومجمع البيان .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 112 .
( 2 ) سورة المائدة : 77 .