قال الأخفش : جعله هو البصيرة ، كما تقول للرجل : أنت حجة على نفسك ، أبو زيد البصيرة من الدم ما كان على الأرض ، والجدية ما لصق بالجسد ، وقال الأصمعي : البصيرة شيء من الدم يستدل به على الرمية ، وأبو عمرو مثله ، وقول الجعفي : راحوا بصائرهم « 1 » ، ثم ذكر تمام الشعر إلى ما تقدم من ابن أبي الحديد .
وقال في القاموس : البصير المبصر وبالهاء عقيدة القلب والحجة ، وشيء من الدم يستدل به على الرمية ، ودم البكر والترس والدرع ، والعبرة يعتبر بها والشهيد « 2 » انتهى .
أقول : ويحتمل هنا معنى آخر ، وهو أن يكون حجتهم في إقامة الدين على السيوف ، فان الحجة من معانيها ، كما عرفت من الصحاح والقاموس .
وقال في الكشاف في تفسير الآية « 3 » : بصيرة حجة بينة وصفت بالبصارة على المجاز ، والمعنى أنه ينبئ بأعماله وان لم ينبأ ، ففيه ما يجزئ عن الانباء ، لأنه شاهد عليها بما عملت ، لان جوارحه تنطق بذلك يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون « 4 » .
وقال عليه السّلام في بعض خطبه الآتية : فانظروا كيف كانوا حيث كانت الاملاء مجتمعة ، والأهواء مؤتلفة ، والقلوب معتدلة ، والأيدي مترادفة ، والسيوف متناصرة ، والبصائر نافذة والعزائم واحدة إلى آخره « 5 » .
ويستفاد من ذلك أن المراد بالبصائر العقائد ، والمراد نفوذها في القلب .
هامش
( 1 ) صحاح اللغة 2 / 592 .
( 2 ) القاموس 1 / 373 .
( 3 ) سورة القيامة : 14 .
( 4 ) الكشاف 4 / 191 .
( 5 ) نهج البلاغة ص 297 ، رقم الخطبة : 192 .