تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
التي كانت تدفع المشركين إلى إنكار المعاد ، ثم التعلل له بحجج واهية ، وإليك بيانها .

الباعث الأول - التحلل من القيود والحدود

إنّ الإيمان بالمبدأ ، والمعاد ، لا يتلخص في الإقرار اللساني ، بل المؤمن يحمل مسؤولية خاصة أمام اللّه سبحانه في الحياة الدنيوية ، ولازم هذه المسؤولية ، الالتزام بحدود وقيود ، تصدّه عن التحلل والإفراط في الملاذ والشهوات والانهماك في إشباع الغرائز الحيوانية . وقد كان الالتذاذ واتّباع الهوى ، غاية المنى لأكثر المنكرين ، وكان يسود عليهم سيادة الإله على خلقه ، قال سبحانه :
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا
« 1 » . ولما كان الاعتقاد بالمعاد ، مناف لهذا المبدأ الحيواني ، أنكروه بحجج واهية يأتي الإشارة إليها ، ويشير الذكر الحكيم إلى هذا الباعث ، بقوله :
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ * بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ * يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ
« 2 » . فالآية الأولى تذكر معتقدهم وإنكارهم ، والآية الثانية تذكر باعث إنكارهم ، وأنّه ليس هو ما يتظاهرون به من عدم إمكان جمع العظام ، وإنّما هو رغبتهم في أن يرفعوا كل عائق يحدّ من انغماسهم في الملذات ، وكل رادع يصدّهم عن إرضاء الغرائز البهيميّة . وقوله :
لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
، بمعنى ليشقّ أمامه ، ولا يرتدع بشيء من القوانين والتشريعات .

الباعث الثاني - صيانة السلطة

إنّ السّنة السائدة عند أصحاب السلطة هي استعباد غيرهم واضطهاد حقوقهم ، كما أنّ السّنّة السائدة على المترفين في الحياة الدنيا ، هي الانهماك في
هامش
( 1 ) سورة الفرقان : الآية 43 . ( 2 ) سورة القيامة : الآيات 3 - 6 .
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 181 | الشيخ جعفر السبحاني