أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ
« 1 » .
أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ
« 2 » .
وأما ما ذكر من الآية ، فليس ظاهرا في كون المراد منه الجمّ الغفير ، بل كلّ الناس ، غاية الأمر أنّها خصّصت بأهل عالمي زمانهم ، مثل قوله سبحانه :
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ
« 3 » .
وعلى أي تقدير فسواء فسّرت الآية ، بالجمّ الكثير من الناس ، أو خصّصت بأهل عالمي زمانهم ، فإنّما هو لقرينة صارفة عن ظاهرها ، حيث إنّ القرآن دلّ على أنّ الأمّة الإسلامية أفضل الأمم ، مثل قوله سبحانه :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
« 4 » . ودلّت الأحاديث على أنّ ابنة النبيّ الأكرم ، فاطمة عليها السالم ، مثل مريم أو أفضل منها « 5 » . فهذه وتلك صارتا قرينتين على صرف الآيتين « 6 » عن ظاهريهما ، وأمّا غيرهما فيحمل على المعنى الحقيقي ، أي الناس كلّهم إلى يوم القيامة .
هامش
( 1 ) سورة الشعراء : الآية 165 .
( 2 ) سورة الأعراف : الآية 80 .
( 3 ) سورة آل عمران : الآية 42 .
( 4 ) سورة آل عمران : الآية 110 .
( 5 ) أخرج البخاري ومسلم والترمذي في صحاحهم عن عائشة قالت : إنّ النّبيّ صلى اللّه عليه وآله قال لفاطمة في أخريات أيامه : « ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين أو سيّدة نساء هذه الأمّة » ، ( لاحظ التاج الجامع للأصول ، ج 3 ، ص 314 ) .
وأخرج ابن سعد عن مسروق عن عائشة في حديث أنّ النبي صلى اللّه عليه وآله أسرّ إلى فاطمة عند مرضه وقال : « أما ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة ، أو نساء العالمين » . ( الطبقات الكبرى ، ج 8 ، ص 27 . وحلية الأولياء ، ج 2 ، ص 40 ) ، ولولا هذه الأحاديث لقلنا بتفضيل مريم على نساء العالمين إلى يوم القيامة ، كما أنّه لولا صراحة الآية في تفضيل هذه الأمة لقلنا بتفضيل بني إسرائيل على الناس كلّهم إلى يوم القيامة .
( 6 ) سورة البقرة : الآية 47 وسورة آل عمران : الآية 42 .