تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩

1 - تجاذب الكلمات وتعانق الجمل

إنّ القرآن بلغ من ترابط أجزائه ، وتماسك كلماته وجمله وآياته ، مبلغا لا يدانيه فيه أي كلام آخر ، مع طول نفسه ، وتنوع مقاصده ، وافتنانه وتلوينه في الموضوع الواحد . وآية ذلك أنّك إذا تأمّلت في القرآن الكريم ، وجدت منه جسما كاملا ، تربط الأعصاب والأغشية بين أجزائه ، ولمحت فيه روحا عاما يبعث الحياة ، والحسن ، على تشابك وتساند بين أعضائه . فبين كلمات الجملة الواحدة من التآخي والتناسق ما جعلها رائعة التجانس والتجاذب . وبين جمل السورة الواحدة من التشابك والترابط ما جعلها وحدة متآخذة الأجزاء ، متعانقة الآيات . ولأجل ذلك يقول سبحانه :
قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ
« 1 » . والآيات القرآنية ، وإن كانت كلّها مظاهر لهذا الانسجام ، كما يلاحظه التالي لها ، غير أنا نختار من بينها آية تشع نورا بين الآيات في حسن الانسجام وروعة النظم ، كأنّها سبيكة واحد ، مع طولها ، وكثرة جملها ، وغزارة معانيها . يقول سبحانه :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ، لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
« 2 » . وبما أنّ مسألة الترابط والتآخي في الآيات القرآنية واضحة لمن أمعن فيها ، فلذلك نطوي الكلام عن الإكثار فيها ، ونعطف نظر الباحث إلى نمط خاص من النظم :
هامش
( 1 ) سورة الزمر : الآية 28 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 255 .