تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠

نمط خاص من النظم في بعض الآيات

إنّ الأهرام التي أقامها فراعنة مصر ، فكانت إحدى عجائب الدنيا ، قد بنيت حجرا على حجر دون أن تتماسك أحجارها بأيّة مادة غريبة دخلت بينها ، وإنّما كان تماسكها تماسكا ذاتيا ، وتجاذبا أحكمته هندسة البناء ، فاستدعى الحجر صاحبه إليه ، واعتنقه في تآلف وترابط . وإنّه بقدر ما كان بين هذه الأحجار من روابط ذاتية ، بقدر ما يكون لها من ثبات وروعة على الزمن ، ولكنها - مع هذا - صنعة إنسان ، مقدور عليه الفناء ، وإذن فلا خلود لها ، لأنّ الفاني لا يخلق إلّا فانيا . فكان من إعجاز القرآن أن أقام أبنية من النظم الكلامي غير مستندة إلّا على ما بينها من تناسق هندسي ، وتجاذب روحي ، وترابط الكلمات ، وتعانق الآيات ، أحكمه الحكيم العليم ، وقدّره اللطيف الخبير . وإليك نماذج من هذا النوع من النظم : 1 - يقول سبحانه :
ألم * ذلِكَ الْكِتابُ ، لا رَيْبَ فِيهِ ، هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
« 1 » . هذه جمل أربع لم يتوسط فيها حروف العطف ، حتى تعطف بعضها على بعض وتجعل منها كيانا واحدا . ومع ذلك نرى فيها من التلاحم والتناسق ما يجعلها تبدو جملة واحدة ، بل كلمة واحدة . 2 - يقول سبحانه :
الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ
« 2 » . فهذه الآيات تراها كأنّها جملة واحدة في اتّساقها وتجاذبها ، وتعانقها لفظا ومعنى . فإنّها تساوقت ألفاظها ، وتناغمت حروفها في هذا النغم العلوي ، كما
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآيات 1 - 3 . ( 2 ) سورة الرحمن : الآيات 1 - 5 .