الرابع - إنّ السحر ونحوه محدود من حيث التنوع دون المعاجز
إنّ عمل أهل الرياضة والسحر ، لما كان رهن التعليم والتعلّم ، متشابه في نوعه ، متّحد في جنسه ، يدور في فلك واحد ، ولا يخرج عن نطاق ما تعلمه أهله ومارسوه ، ولذا لا يأتون بما يريده الناس والمتفرجون ، بل بما تدرّبوا عليه ، وافق طلب الناس أو لا .
بخلاف إعجاز الأنبياء ، فإنّه على جانب عظيم من التنوع في الكيفية إلى حدّ قد لا يجد الإنسان بين المعجزات قدرا مشتركا وجنسا قريبا . فشتّان ما بين قلب العصا إلى الثعبان الحي « 1 » ، وضربها على الأحجار ليتفجر منها الماء « 2 » ، وضربها على البحر لينفلق شطرين ، كل فرق كالطّود العظيم « 3 » ، وإخراج اليد من الجيب بيضاء تتلألأ « 4 » ، وغير ذلك من معاجز موسى عليه السلام .
وكذلك الحال في آيات المسيح البيّنات ، المبهرة للعقول والمدهشة للقلوب ، فتارة ينفخ في هيئة الطير المجسّمة من الطين فتدبّ الحياة فيها ، وتنبض بالدماء عروقها ، فتكون طيرا بإذن اللّه . وأخرى يبرئ الأكمه والأبرص ، وثالثة يحيي الموتى ، ورابعة ينبئ الناس بما يأكلون في بيوتهم ويدّخرون فيها « 5 » ، ولذلك يصفها تعالى بالجلال والتقدير بقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
« 6 » .
وهذا التنوع في الكيفية ، نتيجة كون قدرتهم مستندة إلى القدرة الإلهية .
نعم إنّ الحكمة الإلهية اقتضت أن تكون معاجز الأنبياء مناسبة للفنون
هامش
( 1 ) قال تعالى :فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ( سورة الأعراف : الآية 107 ) .
( 2 ) قال تعالى :وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً( سورة البقرة : الآية 60 ) .
( 3 ) قال تعالى :فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ( سورة الشعراء : الآية 63 ) .
( 4 ) قال تعالى :وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ( سورة الأعراف : الآية 108 ) .
( 5 ) اقتباس من الآية 49 من سورة آل عمران المباركة .
( 6 ) سورة آل عمران : الآية 49 .