تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 1 » ، لكن لا بمعنى الوقوف عند هذا التعرف واتخاذه هدفا ، بل بمعنى اتخاذ تلك المعرفة جسرا لمعرفة بارئها وخالقها ، ومن أوجد فيها السّنن والنّظم . إنّ الفرق الواضح بين تعرّف المادي على الطبيعة وتعرّف الإلهي عليها هو أنّ الأول ينظر إلى الطبيعة بما هي هي ، ويقف عندها من دون أن يتخذها وسيلة لتعرف آخر ، وهو التعرف على مبادي وجودها وعلل تكونها ، في حين أنّ الإلهي ، مع أنّه ينظر إلى الظواهر الطبيعية مثلما ينظر إليها المادي ويسعى إلى التعرف على كل ما يسودها من نظم وسنن ، فإنّه يتخذها وسيلة لتعرف عال وهو التعرف على الفاعل الذي قام بإيجادها وإجراء السّنن فيها ، فكأن النظرة في الأولى نظرة إلى ظاهر الموجود ، وفي الثانية نظرة إلى الظاهر متجاوزا منها إلى الباطن . وبعبارة أوضح ، إنّ المادي يقتصر في عالم المعرفة ، على معرفة الشيء ويغفل عن معرفة أخرى ، وهي معرفة مبدأ الشيء من طريق آثاره وآياته ، فلو اكتفينا في معرفة الظواهر بالمعرفة الأولى حبسنا أنفسنا في زنزانات المادة ، ولكن إذا نظرنا إلى الكون بنظرة وسيعة وأخذنا مع تلك المعرفة معرفة أخرى وهي المعرفة الآيوية لوصلنا في ظل ذلك ، إلى عالم أفسح ملئ بالقدرة والعلم والكمال والجمال . وعلى ذلك فكل المظاهر الطبيعية مع ما فيها من الجمال والروعة ومع ما فيها من النظم والسنن آيات وجود بارئها ومكونها ومنشئها ، وعند ذلك يتجلى للقارئ صدق ما قلنا من أنّ الطرق إلى معرفة اللّه بعدد الظواهر الطبيعية بدءا بالذرة وانتهاء إلى المجرة . ولأجل ذلك نرى أنّ رجال الوحي ودعاة التوحيد يركّزون في معرفته سبحانه على الدعوة إلى النظر في جمال الطبيعة وروعتها فإنها أصدق شاهد
هامش
( 1 ) سورة يونس : الآية 101 .