تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
والذي نركّز عليه هو أنّ الاستواء في الآية ليس ظاهرا في معنى الجلوس والاعتماد على الشيء ، بل المراد هو الاستيلاء والتمكن التام ، كناية عن سعة قدرته وتدبيره . وقد استعمل الاستيلاء بهذا المعنى في غير واحد من أبيات الشعر . قال الأخطل يمدح بشرا أخا عبد الملك بن مروان حين ولي إمرة العراق :
ثمّ استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق « 1 »
وقال آخر :
فلمّا علونا واستوينا عليهم * تركناهم صرعى لنسر وكاسر
إنّ المقصود هو استيلاء بشر على العراق وقوم القائل في البيت الثاني على العدو . وليس العلو هاهنا علوا حسيّا بل معنويا . إذا عرفت ذلك فنقول ، لو أخذنا بالمعنى الحرفي للعرش ، كما هو المتبادر من قوله سبحانه :
وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
« 2 » ، فيجب أن نقول إنّ للّه سبحانه عرشا ، كعروش الملوك والسلاطين . وعند ذلك يتمحض المراد من استوائه عليه ، بالجلوس عليه متمكّنا . وأما لو نبذنا هذا المعنى ، وقلنا بأنّ المراد من الظاهر هو الظهور التصديقي . وهو المتبادر من مجموع الآية بعد الإمعان في القرائن الحاقة بتلك الجملة ، يكون المراد من الآية هو الكناية عن استيلائه على ملكه في الدنيا والآخرة وتدبيره من دون استعانة بأحد . والجمل الواردة في كثير من الآيات الحاكية عن استوائه على العرش تدل
هامش
( 1 ) البداية والنهاية ، ج 9 ، ص 7 . ( 2 ) سورة النمل : الآية 23 .