تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
المتصل ، فما قدروا عليه ، واعتذر بعض القسّيسين في محفل المناظرة التي كانت بيني وبينهم ، فقال : إن سبب فقدان السند عندنا وقوع المصائب والفتن على المسيحيين إلى مدّة ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة . وتفحّصنا في كتب الإسناد لهم ، فما رأينا فيها شيئا غير الظن والتخمين . يقولون بالظن ويتمسكون ببعض القرائن ، وقد قلت : إن الظن في هذا الباب لا يغني شيئا . فما داموا لم يأتوا بدليل شاف وسند متّصل ، فمجرد المنع يكفينا ، وإيراد الدليل في ذمّتهم لا في ذمّتنا . لكن على سبيل التبرّع أتكلم في هذا الباب . ولمّا كان التكلّم على سند كل كتاب مفضيا إلى التطويل الممل ، فلا نتكلم إلّا على سند بعض من تلك الكتب . فأقول وباللّه التوفيق : إنه لا سند لكون هذا التوراة المنسوب إلى موسى عليه السلام من تصنيفاته . ويدلّ عليه أمور : الأمر الأول : ستعرف ، إن شاء اللّه في الباب الثاني في جواب المغالطة الرابعة في بيان الأمر الأول والثاني والثالث في الأمور التي يزول بها استبعاد وقوع التحريف في كتبهم ، أن تواتر هذا التوراة منقطع قبل زمان يوشيا بن آمون . والنسخة التي وجدت بعد ثماني عشرة سنة من جلوسه على سرير السلطنة لا اعتماد عليها يقينا ، ومع كونها غير معتمدة ضاعت هذه النسخة أيضا غالبا قبل حادثة بخت‌نصّر . وفي حادثته انعدم التوراة وسائر كتب العهد العتيق عن صفحة العالم رأسا . ولمّا كتب عزرا هذه الكتب على زعمهم ضاعت نسخها وأكثر نقولها في حادثة أنتيكوس . الأمر الثاني : جمهور أهل الكتاب يقولون إن السفر الأول والثاني من أخبار الأيام صنّفها عزرا ، عليه السلام ، بإعانة حجى وزكريا الرسولين عليهما السلام . فهذان الكتابان في الحقيقة من تصنيف هؤلاء الأنبياء الثلاثة . وتناقض كلامهم في الباب السابع والثامن من السفر الأوّل في بيان أولاد بنيامين . وكذا خالفوا في هذا البيان هذا التوراة المشهور بوجهين : الأوّل في الأسماء والثاني في العدد ، حيث يفهم من الباب السابع أن أبناء بنيامين ثلاثة ، ومن الباب الثامن أنهم خمسة ، ومن التوراة أنهم عشرة . واتفق علماء أهل الكتاب أن ما وقع في السفر الأول غلط ، وبيّنوا سبب وقوع الغلط أن عزرا ما حصل له التمييز بين الأبناء وأبناء الأبناء ، وأن أوراق النسب التي نقل عنها كانت ناقصة . وظاهر أن هؤلاء الأنبياء الثلاثة كانوا متّبعين للتوراة ، فلو كان توراة موسى هو هذا التوراة المشهور لما خالفوه ، ولما وقعوا في الغلط ، ولما أمكن لعزرا أن يترك التوراة ويعتمد على الأوراق الناقصة . وكذا لو كان التوراة الذي كتبه عزرا مرة أخرى بالإلهام على زعمهم هو هذا التوراة المشهور ، لما خالفه . فعلم أن التوراة المشهور ليس التوراة الذي صنّفه موسى ، ولا الذي كتبه عزرا ، بل الحقّ أنه مجموع من الروايات والقصص المشتهرة بين اليهود ، وجمعها أحبارهم في هذا المجموع بلا تنقيد