تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
الأمر السادس : جمعه لمعارف جزئية وعلوم كلية لم تعهد العرب عامة ولا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، خاصة من علم الشرائع والتنبيه على طرق الحجج العقلية والسير والمواعظ والحكم وأخبار الدار الآخرة ومحاسن الآداب والشيم وتحقيق الكلام . في هذا الباب أن العلوم إما دينية أو غيرها . ولا شك أن الأولى أعظمها شأنا وأرفعها مكانا . فهي إما علم العقائد والأديان ، وإما علم الأعمال . أما علم العقائد والأديان فهو عبارة عن معرفة اللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، أما معرفة اللّه تعالى فهي عبارة عن معرفة ذاته ومعرفة صفات جلاله ومعرفة صفات إكرامه وأفعاله ومعرفة أحكامه ومعرفة أسمائه . والقرآن مشتمل على دلائل هذه المسائل وتفاريعها وتفاصيلها على وجه لا يسويه شيء من الكتب ، بل لا يقرب منه . وأما علم الأعمال فهو إما أن يكون عبارة عن علم التكاليف المتعلقة بالظواهر ، وهو علم الفقه ، ومعلوم أن جميع الفقهاء إنما استنبطوا مباحثهم من القرآن ، وإما أن يكون علم التصوّف المتعلق بتصفية الباطن ورياضة القلوب . وقد حصل في القرآن من مباحث هذا العلم ما لا يوجد في غيره . كقوله :
( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
[ الأعراف : 199 ] ، وقوله :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ . . . )
[ النحل : 90 ] ، وقوله :
( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ )
[ فصلت : 34 ] . فقوله « ادفع بالتي هي أحسن » يعني ادفع سفاهتهم وجهالتهم بالخصلة التي هي أحسن ، وهي الصبر ومقابلة السيئة بالحسنة . وقوله : « فإذا الذي . . . إلخ » يعني إذا قابلت إساءتهم بالإحسان ، وأفعالهم القبيحة بالأفعال الحسنة ، تركوا أفعالهم القبيحة وانقلبوا من العداوة إلى المحبة ، ومن البغضة إلى المودة . ونحو هذه أقوال كثيرة فيه . فثبت أنه جامع لجميع العلوم النقلية أصولها وفروعها . ويوجد فيه التنبيه على أنواع الدلالات العقلية ، والرد على أرباب الضلال ببراهين قاهرة وأدلّة باهرة ، سهلة المباني ، مختصرة المعاني ، كقوله تعالى :
( أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ . . . )
[ يس : 81 ] ، وكقوله تعالى :
. . . يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ . . . )
[ يس : 79 ] ، وكقوله تعالى :
( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا . . . )
[ الأنبياء : 22 ] . ولنعم ما قيل : جميع العلم في القرآن ، لكن تقاصر عنه افهام الرجال . الأمر السابع : كونه بريئا عن الاختلاف والتفاوت ، مع أنه كتاب كبير مشتمل على أنواع كثيرة من العلوم . فلو كان ذلك من عند غير اللّه لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة ، لأن الكتاب الكبير الطويل لا ينفكّ عن ذلك . ولما لم يوجد فيه ذلك ، علمنا أنه ليس من عند غير