تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
عصاه انقلبت ثعبانا يتلقف سحرهم الذي كانوا يقلبونه من الحق الثابت إلى المتخيل الباطل من غير أن يزداد حجمها ، علموا أنه خارج عن السحر ومعجزة من عند اللّه ، فآمنوا به . وأما فرعون فلما كان قاصرا في هذه الصناعة ظن أنه سحر أيضا ، وإن كان أعظم من سحر سحرته . وكذا الطب لما كان غالبا على أهل زمن عيسى عليه السلام وكانوا كاملين فيه ، فلما رأوا إحياء الميت وإبراء الأكمه علموا بعلمهم الكامل أنهما ليسا من حدّ الصناعة الطبية ، بل هو من عند اللّه . والبلاغة قد بلغت في عهد الرسول عليه السلام إلى الدرجة العليا ، وكان بها فخارهم ، حتى علقوا القصائد السبع بباب الكعبة تحديا بمعارضتها ، كما تشهد به كتب السير . فلما أتى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بما عجز عن مثله جميع البلغاء ، علم أن ذلك من عند اللّه قطعا . الفائدة الثانية : نزول القرآن منجما ومفرقا ولم ينزل دفعة واحدة بوجوه : أحدها : ان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لم يكن من أهل القراءة ، فلو نزل عليه ذلك جملة واحدة كان لا يضبطه ولجاز عليه السهو . ثانيها : لو أنزل اللّه عليه الكتاب دفعة فربما اعتمد على الكتّاب وتساهل في الحفظ . فلما أنزله اللّه منجما حفظه وبقي سنّة الحفظ في أمته . وثالثها : في صورة نزول الكتاب دفعة . لو كان نزول جميع الأحكام دفعة واحدة على الخلق لكان يثقل عليهم ذلك ولما نزل مفرقا لا جرم نزلت التكاليف قليلا قليلا فكان تحملها أسهل كما روي عن بعض الصحابة ، أنه قال : لقد أحسن اللّه إلينا كل الإحسان . كنا مشركين ، فلو جاء رسول اللّه بهذا الدين جملة وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا ، فما كنا ندخل في الإسلام ، ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة . فلما قبلناها وذقنا حلاوة الإيمان ، قبلنا ما وراءها كلمة بعد كلمة ، إلى أن تمّ الدين وكملت الشريعة . ورابعها : انه إذا شاهد جبريل حالا بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته . فكان أقوى على أداء ما حمل ، وعلى الصبر على عوارض النبوّة ، وعلى احتمال أذية القوم . وخامسها : انه لما تمّ شرط الإعجاز فيه ، مع كونه منجما ، ثبت كونه معجزا . فإنهم لو قدروا لوجب أن يأتوا بمثله منجما مفرقا . وسادسها : كان القرآن ينزل بحسب أسئلتهم والوقائع الواقعة لهم ، فكانوا يزدادون بصيرة . لأن الاخبار عن الغيوب كان ينضم بسبب ذلك إلى الفصاحة . وسابعها : ان القرآن لما نزل منجما مفرقا وتحداهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من أول الأمر ، فكأنه تحداهم بكل واحد من نجوم القرآن ، فلما عجزوا عنه كان عجزهم من معارضة الكل أولى . فثبت بهذا الطريق أن القوم عاجزون عن المعارضة لا محالة . وثامنها : ان السفارة بين اللّه وبين أنبيائه وتبليغ كلامه إليهم منصب عظيم ، فلو نزل القرآن دفعة واحدة كان زوال هذا المنصب عن جبريل عليه السلام محتملا ، فلما نزل مفرقا منجما بقي ذلك المنصب العظيم عليه .